بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا; فَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِلْكًا لِلْغَانِمَيْنِ لَمَا جَعَلَ نِصْفَهُ لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ وَقَدْ فَتَحَهَا عَنْوَةً; وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً وَمَنَّ عَلَى أَهْلِهَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ فَقَدْ حَصَلَ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ، وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالسُّنَّةِ تَخْيِيرُ الْإِمَامِ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِينَ أَوْ تَرْكِهَا مِلْكًا لِأَهْلِهَا، وَوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَهْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ أَرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ كَمَا بَدَأْتُمْ". شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ فَأَخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ مَنْعِ النَّاسِ لَهَذِهِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي الْأَرْضِينَ وَأَنَّهُمْ يَعُودُونَ إلَى حَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي مَنْعِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ عُمَرَ فِي السَّوَادِ وَأَنَّ مَا وَضَعَهُ هُوَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَجِبُ أَدَاؤُهَا.

فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ فِعْلِ عُمَرَ فِي السَّوَادِ إجْمَاعٌ; لِأَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ وَغَيْرَهُ قَدْ رَوَوْا عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنَ يَزِيدَ الْحِمَّانِيِّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَلِيٍّ بِالرَّحْبَةِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ لَقَسَمْت السَّوَادَ بَيْنَكُمْ قِيلَ لَهُ الصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِتَرْكِ قِسْمَةِ السَّوَادِ، وَإِقْرَارِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصِحَّ عَنْ عَلِيٍّ مَا ذَكَرْتَ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مَنْ خَاطَبَهُمْ عَلِيٌّ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا هُمْ الَّذِينَ فَتَحُوا السَّوَادَ فَاسْتَحَقُّوا مِلْكَهُ وَقِسْمَتَهُ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلْإِمَامِ فِيهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُونَ بِهِ غَيْرَ الَّذِينَ فَتَحُوهُ، أَوْ خَاطَبَ بِهِ الْجَيْشَ وَهُمْ أَخْلَاطٌ مِنْهُمْ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ السَّوَادِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ; وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ فَتْحَهُ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ إنَّ الْغَنِيمَةَ تُصْرَفُ إلَى غَيْرِ الْغَانِمِينَ وَيَخْرُجُ مِنْهَا الْغَانِمُونَ، وَأَنْ يَكُونُوا أَخْلَاطًا فِيهِمْ مَنْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَاسْتَحَقَّ الْغَنِيمَةَ وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، وَهَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ وَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِينَ شَهِدُوهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ خَاطَبَ بِهِ مَنْ شَهِدَ الْفَتْحَ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَكَانُوا هُمْ الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلْإِمَامِ فِيهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَجْعَلَ حَقَّهُمْ لِغَيْرِهِمْ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ.; إذْ كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ حَقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ; لِمَا وَصَفْت وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَذَا الْخِطَابِ الَّذِينَ فَتَحُوهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ عَنْ عُمَرَ فِي كَافَّةِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَرْكِ قِسْمَةِ السَّوَادِ، وَإِقْرَارِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: "أَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَتَرْكِ أَمْوَالِهِمْ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَسْتَرِقَّهُمْ"، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015