"لَا يَجُوزُ عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ قَدْ أَدَّى شَيْئًا عَنْ الْكِتَابَةِ، وَلَا الْمُدَبَّرُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى شَيْئًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ يَنْوِي بِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ جَازَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ، ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِيهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلَمْ يُجْزِهِ" وَقَالَ زُفَرُ: "لَا يُجْزِي الْمُكَاتَبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى شَيْئًا". وَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُجْزِي الْمُكَاتَبُ وَلَا الْمُدَبَّرُ وَلَا أُمُّ الْوَلَدِ وَلَا مُعْتَقٌ إلَى سِنِينَ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَلَا الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ". وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "لَا يُجْزِي الْمُكَاتَبُ وَلَا الْمُدَبَّرُ وَلَا أُمُّ الْوَلَدِ" وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: "يُجْزِي الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ". وَقَالَ اللَّيْثُ: "يُجْزِي أَنْ يَشْتَرِيَ أَبَاهُ فَيُعْتِقَهُ بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي عَلَيْهِ" وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يُجْزِي مَنْ إذَا اشْتَرَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِ،" يُجْزِي الْمُدَبَّرُ وَلَا يُجْزِي الْمُكَاتَبُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا، وَيُجْزِي الْمُعْتَقُ إلَى سِنِينَ وَلَا تُجْزِي أُمُّ الْوَلَدِ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ فَإِنَّهُمَا لَا يَجْزِيَانِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا قَدْ اسْتَحَقَّا الْعِتْقَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْكَفَّارَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَا ثَبَتَ لَهُمَا مِنْ حَقِّ الْعَتَاقِ يَمْنَعُ بَيْعَهُمَا وَلَا يَصِحُّ فَسْخُ ذَلِكَ عَنْهُمَا؟ فَمَتَى أَعْتَقَهُمَا فَإِنَّمَا عَجَّلَ عِتْقًا مُسْتَحَقًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ قَالَ لَهُ الْمَوْلَى: "أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ"; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ بِهَذَا الْقَوْلِ يَمْنَعُ بَيْعَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؟ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فَإِنَّ الْكِتَابَةَ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ وَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ جَوَازَ عِتْقِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا أُعْتِقَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا فَقَدْ أَسْقَطَ الْمَالَ فَصَارَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّى شَيْئًا لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَدَاءَ لَا يَنْفَسِخُ بِعِتْقِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ عَنْ عِتْقِهِ بَدَلَ فَلَا يُجْزِي عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى أَبَاهُ فَإِنَّهُ يُجْزِي إذَا نَوَى; لِأَنَّ قَبُولَهُ لِلشِّرَى بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ; وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ". وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعْنَاهُ: يُعْتِقُهُ بِشِرَائِهِ إيَّاهُ، فَجَعَلَ شِرَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: "أَنْتَ حُرٌّ" فَأَجْزَأَ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الطَّعَامِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ: "لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعُ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ" وَقَالَ مَالِكٌ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَهُوَ مُدَّانِ إلَّا ثُلُثًا بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَأَمَّا الشَّعِيرُ فَإِنْ كَانَ طَعَامَ أَهْلِ بَلَدِهِ فَهُوَ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَكَذَلِكَ التَّمْرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا طَعَامَ أَهْلِ الْبَلَدِ أَطْعَمَهُمْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَسَطًا مِنْ شِبَعِ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامِ بَلَدِهِ الَّذِي يَقْتَاتُ حِنْطَةٌ أَوَشَعِيرٌ أَوْ أُرْزٌ أَوْ تَمْرٌ أَوْ أَقِطٌ، وَذَلِكَ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُعْتَبَرُ مُدٌّ أُحْدِثَ بَعْدَهُ". حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا