أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ تَكْرَارُ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَصِحُّ مِثْلُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] وَنَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا
كَرَّرَ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ بِلَفْظَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَائِغًا، وَلَا يَصِحُّ مِثْلُهُ فِي تَكْرَارِ اللَّفْظِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} لَا تَكْرَارَ فِيهِ مَعَ إفَادَتِهِ لِلْقَتْلِ مِنْ جِهَةِ الْقَاتِلِ، إذْ كَانَ ذِكْرُ الْقِصَاصِ يُفِيدُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ قِصَاصًا إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَهُ قَتْلٌ مِنْ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ؟ وَفِي قَوْلِهِمْ ذِكْرٌ لِلْقَتْلِ وَتِكْرَارٌ لَهُ فِي اللَّفْظِ، وَذَلِكَ نُقْصَانٌ فِي الْبَلَاغَةِ، فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ لِلْمُتَأَمِّلِ إبَانَةُ الْقُرْآنِ فِي جِهَةِ الْبَلَاغَةِ وَالْإِعْجَازِ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ; إذْ لَيْسَ يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ مَنْ جَمَعَ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةَ فِي الْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ مِثْلَ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.