ويحتجُّ من يرى أنَّ الإنصات في الآية السكوت للاستماع بأنه الحقيقة، وبحديث: "إنما جُعِلَ الإِمام ليؤتمَّ به"، وفيه: "وإذا قرأ فأنصتوا". يقول: لا يحتمل تأويل قوله: "فأنصِتوا" بأنَّ المراد فأَسِرُّوا؛ لأنَّ حكم المأموم الإسرار مطلقًا؛ فكيف يقيَّده بقوله: "وإذا قرأ"؟ وإذا ثبت أنَّ المراد في الحديث حقيقة الإنصات دلَّ هذا على أنَّ الإنصات في الآية على حقيقته؛ لأنَّ الظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك إشارة إلى الآية.
والجواب عن الأول: أننا قد قدَّمنا بيان القرائن والأدلة الصارفة عن الحقيقة.
وعن الثاني: بأنَّ الحديث مختلف في صحَّته؛ كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وعلى القول بصحَّته فإن قلنا: إنه إشارة إلى الآية فذلك قرينة على أنَّ المراد بالإنصات: الإسرار، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا قرأ" [ص 54] لأنه موضع الحاجة؛ لأنه لما قال لهم: "إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به؛ فإذا كبَّر فكبِّروا" احتمل أن يفهموا من ذلك: "وإذا جهر بالقراءة فاجهروا"؛ فاحتيج إلى إزالة هذا الوهم.
فإن قيل: فإنَّ الإِمام يجهر بالتكبيرات، فإذا أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالقراءة أمكن أن يتوهَّموا الجهر بالتكبيرات.
قلت: لكن احتمال الوهم في التكبيرات دون احتماله في القراءة؛ لأنه لا يخفى أن جهْرَ الإِمام بالتكبيرات إنما هو للإعلام بالانتقالات؛ ولهذا يجهر الإِمام بها دائمًا، والمأموم لا يحتاج إلى أن يُعلِم غيره.