الشركَ، وإنكارَ حقيقة معناها، أعني التوحيد، وهكذا يُقال في التصديق وبقيَّة الأمور. وحينئذٍ فلم يحصل له شيء من المقصود وهو أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، وما يدرينا لَعَلَّ هذا الرجل لو عَلِمَ حقيقة معناها لما اعترف ولا صدَّق، وهكذا الباقي.
ووجه ذلك: أنه قد تقوم لديه شبهاتٌ تعارض عنده ما يعتقده من صدق الرسول أو يكون ذلك الأمر مخالفًا لهواه. وللهوى سلطان عظيم على النفوس، فربما عُرِضَت الحقيقة البينة على النفس وهي غير مخالفة لهواها فتقبلها، ثم تُعرض عليها حقيقة مثل تلك في الوضوح أو أبين، ولكنها مخالفة لهواها فتردّها. وهل كذّب المشركون رسلهم إلا لمجيئهم بما يخالف أهواءهم؟ وفي الحديث: "حُبُّك للشيء يُعْمي ويُصِمّ" (?).
ومن تتبع مناظرات أهل النحل المختلفة وتأويلاتهم البراهينَ الواضحةَ تبين له ما ذكرناه، بل من تتبع مناظرات الفرق الإِسلامية وما تحتجُّ به كلُّ فرقةٍ منها، [ب 11]، وتردُّ ما يخالفها من الأدلَّة أو تتأوَّله عرف ما للهوى من عظمة السلطان، على أن كثيرًا من أولئك المتأوَّلين التأويلات التي لا يشكُّ البريء من الهوى في بطلانها هم ممن ثبتت معرفته وأمانته وأنه لا يتعمَّد الباطل، ولكن الهوى أعماه وأصمَّه فقاتل الحقَّ وهو يظنُّ أنه يقاتل عن الحقَّ.