سائر الوسائل الممكنة، فكالقسم الأول. وإن ترجح أنه ليس لشيء منها مزية فكالثاني، وإن لم يترجح شيءٌ فكالثالث.
أما إذا ترجَّح أن بعضها لم يكن لها مزية، فهي وسائر الوسائل الممكنة، كالقسم الثاني، وتمتاز الأخرى عنها بالأفضلية فقط، وبقيت تفريعات تُعْلَم بالتأمل.
ومن هذا الأخير مسألة جمع القرآن في مصحف [ص 8] فالمقصد، وهو دوام سلامة القرآن من التغيير، يمكن أن يؤدّى بالحفظ استظهارًا، ويمكن أن يؤدَّى بجمعه بالكتابة. والذي كان مستعملًا في عهده صلَّى الله عليه وآله وسلم الحفظ، لكن مع جواز الجمع بالكتابة، بدليل أنه صلَّى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بكتابة القرآن، وهذا الأمر أعمّ من أن يُكْتب متفرقًا أو مجتمعًا، وإنما جاء التفريق من قلة القراطيس، فكان يكتب في العُسُب، واللِّخاف، ونحوهما مما لا تسع القطعة منه إلا قليلاً.
ومع ذلك فلم يبلغنا أنه صلَّى الله عليه وآله وسلم أمر أن لا يكتب في القطعة الواحدة إلا آية واحدة، أو نحو ذلك، ولا أنه نهى أن يُكْتَب من القرآن إلا ما يُكْتَب بين يديه عقب نزوله، فبقي الأمر على إطلاقه. ولا أنه نهى أن تُجْمع طائفةٌ من القِطَع المكتوب فيها القرآن في مكان واحد، وذلك معرّض للوقوع بلا ريب، فَتَرْك النهي عنه إذْن فيه (?). والإذن بجمع طائفة من القِطَع مؤذِنٌ بجواز جمع جميع القطع. وجواز جمعها في قطع متفرقة يدل على جواز جمعها متصلة.