بالقرب منه قبر ترجّح تخصيص عموم النهي عن شدّ الرحال بإطلاق الأمر بزيارة القبور، فيرخّص له بشدّ رحله لزيارة أقرب القبور إليه لتذكُّر الآخرة؛ لأن هذا الغرض غرضٌ مهمٌّ شرعًا، وليس في شدّ الرحل إليه إخلال بغرض شرعيّ؛ لأن الغرض الذي لأجله النهي عن شدّ الرحال لغير الثلاثة المساجد إنما هو - والله أعلم - خشيةَ أن يضيّع المسلمون مصالحهم الدينية والدنيوية في الرحيل إلى ما لا فائدة لهم فيه، وفي مسألتنا قد تحققت الفائدة. وهذا الثالث - والله أعلم - هو الحقُّ إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا فمن جعل لزيارة قبور الأنبياء والصالحين فائدةً دينية زائدة عن قبور غيرهم من المسلمين، أي زائدةً عن مجرّد تذكّر الموت وما بعده خصّصها بنحو ما خصصنا به مَن كان بعيدًا من القبور، في أنه يجوز له شدّ رحله لزيارة أقرب القبور إلى محلّه. ومن هنا قلنا: إنه عند التحقيق ينحصر النزاع في المقصود من الزيارة، وعليه فأقول:
قال المانعون: إن غرض الشارع من الأمر بزيارة القبور هو ما بيّنه صلَّى الله عليه وآله وسلم بقوله في حديث مسلم (?): "فإنها تُذَكِّر الموتَ". وفي حديث ابن ماجه (?): "فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة". فقوله صلَّى الله عليه وآله وسلم: "فإنها تذكر الموت - فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة" نصٌّ منه على مشروعية زيارة القبور، وحينئذٍ (?) فلا شكَّ أنه يكفي في تحصيل هذا المقصد أيّ قبرٍ كان من قبور المسلمين.