ولحا الله هذه الوظائف، فكم كانت سببًا في إفساد الدين، وفي تخريب الدنيا، وكم جرّ التكالب عليها إلى تفريق شمل، وتمزيق وحدة، وإذا كان هذا في الوظائف الدنيوية سيئًا، فهو في الوظائف الدينية أسوأ، وإن البلاء المنصبّ على جامع الزيتونة لآتٍ- في معظمه- من هذا الوادي.
...
وما زلنا نشهد من صنع الله في نصر الحق أنه يأتي ببيّناته وحججه من حيث لا يحتسب أهله، وينتزع الشهادة له من أعدائه من حيث لا يشعرون، كما ينزل النصرَ على عباده المؤمنين بعد أن يستيئسوا؛ فقد عثرنا في الأسابيع الأخيرة على مقال للشيخ "بيرك" مدير الشؤون الأهلية بالولاية العامة بالجزائر أثناء الحرب الأخيرة، نشرته مجلة "البحر المتوسط" الفرنسية التي تصدر بالجزائر في جزئها الحادي عشر، الصادر عن شهري جويليه- أوت من سنة 1951 شهد فيه كاتبه المتخصص في شؤون هذه الطائفة بحقيقتها، ووصفها بصفات أهونها هذه الصفة، وهي الجوسسة، التي كنا نستحي من وصفهم بها لو لم يحرجونا.
والشيخ "بيرك " رجل إداري، شابَ قرْناه في الوظائف الإدارية الخاصة بالمسلمين، وكانت خاتمة تلك الوظائف إدارة الشؤون الأهلية المعروفة في تاريخ الاستعمار بأقطابها: لوسياني، وميرانت، وميو، وبيرك، وما منهم إلّا له فيها مقام معلوم وتصرف مذموم، وله من تمكين أوضاعها جزء مقسوم ... وهذه الإدارة هي مرجع رجال الدين في التوْلية والعزل، والتيسير والتوجيه، ومنها يتنزّل الرضى والسخط عليهم، فالشيخ "بيرك" كان رئيس القوم وموجّههم ومربّيهم ومكمّلَ ما كان ناقصًا فيهم من رسوم الخضوع والامتثال المطلق، وقد لابسهم ولابسوه، وعرف مداخلهم ومخارجهم، وأكمل تربيتهم و"تسليكهم"؛ فإذا شهد عليهم بشيء فهي شهادة عيان، وإذا وصفهم بنقيصة فهي من صنع يده فيهم.
عنوانُ هذه القطعة التي قرأناها من كلامه، واقتطفنا منها هذه الشهادة "العلماء والمرابطون" (1) وقد كتبها سنة 1946، فهو قد كتبها في أخريات أيامه، وضمّنها شيئًا من