أما صاحب المرتبة العاشرة فالعلاقة أقل بكثير ممن سبقه.

فإذا ما سأل الواحد منَّا نفسه عن علاقته بربِّه، وأي مرتبة تحتل؟

فإننا سنُفاجأ بأنها ليست في المراتب الأولى، وذلك من خلال رصد مظاهر هذه العلاقة .. فلا شوق إلى لقائه، ولا أُنس بمناجاته، ولا سعادة في قربه، ولا فرح بالخلوة به، ولا تنعُّم بذكره، وكل هذا بسبب ضعف الإيمان، وضعف الثقة به سبحانه وبقدره العظيم.

فإذا ما حدثت اليقظة الإيمانية الحقيقية، وقوي الإيمان في القلب، فإن هذه العلاقة تتحسن تدريجيًّا، وتنتقل من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، وتستمر في الصعود كلما زاد الإيمان حتى تحتل المرتبة الأولى، حيث تزداد الرغبة في الله، والرضا به، والسعادة في ذكره، والبهجة في تلاوة كلامه، والأنس في الخلوة به ومناجاته.

يزداد الحضور القلبي الدائم معه - سبحانه- ليُثمر سؤاله وطلب مساعدته في أمور العبد كلها، وإشهاده على ما يحدث له من تكذيب المكذبين، أو إعراض المُعرضين، بل يصل الأمر إلى الاعتذار عن جحود الناس ونسيانهم شكر الله على نعمه (اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر) (?).

ينتظر الفرصة التي يخلو فيها المكان، وتهدأ الأصوات ليخلو بربه، ويبُثُّ إليه أشواقه، ويعرض عليه شكايته، ويطلب منه حاجته {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] ..

يُسارع في استرضائه إذا ما وقع منه تقصير أو تجاوُز ..

يزداد بذله للجهد في خدمة دينه، ودعوة خلقه إليه، ونفعهم بكل ما أنعم الله عليه «خير الناس أنفعهم للناس» (?) ..

يشعر بالغنى به، ويعيش قلبه في حالة من الامتنان نحوه سبحانه.

يزداد ويزداد تعلقه به، واستغنائه عن غيره.

هذا هو معنى الوصول إلى الله في الدنيا، فكما يقول ابن رجب: الوصول إلى الله نوعان: أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة.

فأما الوصول الدنيوي فالمراد به: أن القلوب تصل إلى معرفته، فإذا عرِفته أحبَّته وأنِست به، فوجدته منها قريبًا، ولدعائها مجيبًا، كما في بعض الآثار: ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء.

وأما الوصول الأخروي: فدخول الجنة التي هي دار كرامة الله لأوليائه، ولكنهم في درجاتها متفاوتون في القرب بحسب تفاوت قلوبهم في القرب: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} (?) [الواقعة: 10، 11].

طور بواسطة نورين ميديا © 2015