- ولكن نرى على الجانب الآخر ممن لا يريدون لدعوة الإسلام أن تسمع، ولا أن يهتدي إليها الناس، يقفون موقف التنقيص والتشويه وإثارة الشبهات، حول هذه الكواكب المنيرة، والنجوم الزاهر، ورثة ميراث النبوة، وحملة راية العلم والإصلاح، ويقولون هؤلاء العلماء لا يصلحون لشيء من السياسات، ولا يعيشون إلا مع الكتب والأوراق، ولا يعلمون أحداث الواقع، ولا يفقهون الدوامات السياسية ولا الاقتصادية، فهم مع أنفسهم وكتبهم، وبين أطباق الطعام يتنقلون، وفريق آخر ينظر إليهم بعين السخط والبغض، لأنهم صاروا من المقربين إلى ذوي الملك والسلطان، وصارت فتاواهم وأقوالهم توافق هوى الحكام والساسة. وهؤلاء العلمانيون والمنافقون يأتون كل يوم بالشبهات حول الدعاة إلى الله تعالى، وأنهم أصحاب دنيا وشهرة، وأنهم لا يجيدون إلا لغة الصياح على المنابر، في حين أنهم يرون أنفسهم من المثقفين والمتنورين غير ذلك، فتلك النظرات والاتجاهات من الاتجاهات ساهمت كثيراً في تشويه صورة ومكانة أهل العلم، إضافة إلى المنتسبين إليهم دون فهم ولا علم ولا بصيرة.

ولكن كل هذا ينبغي أن يطرح جانباً، لأن جل هؤلاء لا يمثلون شيئاً من حجم الدعاة والعلماء الربانيين والصادقين، السائرين على منهاج العلم والنبوة، نعم هناك أخطاء وزلات، نعم هناك أهواء وهفوات، نعم هناك جهل وتقصير، نعم هناك حب الجاه والسلطان، ولكن هذا لا يعني تعميم الأحكام، ولا تضييع المكانة السامية لأهل العلم التي رفعهم إليها ربنا سبحانه وتعالى.

إن الأمة تقع في الضلال والفتن والبدع إذا لم يقودها العلماء الربانيون، إن الأمة تخنع للطغاة والظالمين إذا لم يصدع العلماء والدعاة بكلمة الحق في وجوه الطغاة والظالمين، إن الأمة تموت وتفنى يوم أن يُحقر العلم وحملته ودعاة الحق، وكم قرأنا وأدركنا مكانتهم يوم أن جاء التتار بالدمار، ويوم أن جاء الصليبيون بخيولهم وأذنابهم، وتصدى العلماء وقالوا كلمة الحق، وحثوا الناس على رفع رايات الجهاد في سبيل الله تعالى، واسترداد مقدسات المسلمين.

وهل وقف اليوم بأمر الله تعالى وحده في وجه الطغيان الصليبي الغربي والصهيوني على العالم العربي والإسلامي إلا العلماء والدعاة إلى الله، لقد أذن الله لمسيرة دعوة الإسلام أن تعود من جديد، ولولا أن الله غالب على أمره، لضاعت القدس وفلسطين وكل العالم الإسلامي من أول يوم دخل فيه اليهود وغيرهم إلى ديار المسلمين، فلتجتمع الأمة من جديد حول علمائها، وليكونوا هم من يقود دفة الدعوة ومسيرتها، وإلا فلا خير في أمة لا تعرف قدر علمائها ودعاتها.

- بقي لنا توحيد الصف المسلم، وأعني به توحيد جهود العاملين للدعوة ونصرة الإسلام، لأنهم هم المعنيون أولاً وأخيراً؛ لأن جمهور المسلمين اليوم صاروا أتباعاً وجلهم على التقليد، إلا من وقف على شيء من البحث والعلم وأقوال العلماء، فنحن نرى بسبب التفرق والوقوع في دائرة الاختلاف السائغ وغير السائغ، متابعة للجماهير بحسب ما غلب عليه الظن أنه الحق، فترى جمهوراً مع جماعة وآخر مع أخرى وهكذا.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015