فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة الفلق ثم نزل قوله تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى} [العلق: 6] فجاءت في افتتاح الكلام، والواو منها في القرآن ثلاثة وثلاثون موضعًا، كلها في النصف الأخير، وذلك في خمس عشر سورة منه، وكلها مكية، قال الديربي في تفسيره المنظوم.

وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى

ويرى الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما أن معنى الردع والزجر ليس مستمرًا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيًا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى حقًا، والثاني لأبي حاتم ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى (ألا) الاستفتاحية، والثالث للنضر بن شميل والفراء ومن وافقهما، قالوا: تكون حرب جواب بمنزلة إي ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: {كلا والقمر} [المدثر: 32] فقالوا: معناه إي والقمر.

وقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما، لأنه أكثر إطرادًا، فإن قول النضر لا يأتي في آيتي المؤمنين والشعراء على ما يأتي بيانه، وقول الكسائي لا يتأتى في نحو قوله تعالى: {كلا إن كتاب الأبرار} [المطففين: 18] وقوله: {كلا إن كتاب الفجار} [المطففين: 7] وقوله جل شأنه: {كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون} [المطففين: 15] لأن همزة إن تكسر بعد (ألا) الاستفتاحية، ولا تكسر بعد حقًا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم، وأما قول مكي: إن كلا على رأي الكسائي إذا كانت بمعنى حقًا فبعيد، لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلا فلم نونت؟

وإذا صلح الموضع للردع ولغيره جاز الموقف عليها، والابتداء بها على

طور بواسطة نورين ميديا © 2015