ويلاحظ أن شوقياً إنما يلجأ إلى ذلك التهويل وهذه التساؤلات والتأملات ستراً لنقصه العاطفي في مواقف الرثاء, على أن أجمل رثائه ما بكى فيه ممالك المسلمين ومدنهم المنكوبة كالحمراء ودمشق وأدرنة، وما بكى فيه زوال الخلافة على يد أياتورك. ففي هذه المراثي يذوب قلب شوقي حسرة وألماً، فيأتي رثاؤه نابضاً بالحس مائجاً بالحياة. وأنى لشاعر غير شوقي أن يعرض مسجد بني أمية في مثل هذه الصورة الحزينة العميقة الباكية:

مررت بالمسجد المحزون أسأله ... هل في المصلىّ أو المحراب مروان؟

تغير المسجد المحزون واختلفت ... على المنابر أحرار وعُبدان

فلا الأذان أذان في منارته ... إذا تعالى، ولا الآذان آذان

وأنىّ لغير الأعلين من فحول الشعراء أن يرتفعوا بمعانيهم وأخيلتهم وصياغتهم إلى مستوى الكارثة الكبرى المتمثلة بسقوط الخلافة، كما صنع شوقي؟

لقد أنشد في انتصار الطاغية على أوشاب اليونان أحفل قصائده بألَق البهجة والاعتزاز، فلما فوجئ بانقلابه المجرم على خلافة المسلمين، لم يستطع أن يحبس مشاعره الثائرة، فانطلق يندب تلك العروس التي اغتيلت ليلة الزفاف، بأيدي الذين تظاهروا بإنقاذها من أيدي أعدائها، وقد أعماهم الهوى حتى نسوا أن التي بها يفتكون إنما هي وشيجة فخرهم ومرتكز مآثرهم وأمجادهم، فعزهم يهدمون، وشرفهم يثلمون، ووحدة المسلمين يمزقون:

يا للَرجال لحرة موءودة ... قتلت بغير جريرة وجناح

إن الذين أست جراحك حربهم ... قتلتك سلمهمو بغير جراح

هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم ... مَوْشِيةً بمواهب الفتاح

وعلاقة فصمت عرى أسبابها ... كانت أبر علائق الأرواح

نظمت صفوف المسلمين وخطوهم ... في كل غدوة جمعة ورواح

وفي غمار النكبة لا يفوته أن يوجه إلى العالم الإسلامي، وبخاصة الشعب

طور بواسطة نورين ميديا © 2015