العلم

قوله: (والعلم)، هذا أول شرط فيمن يوحد الله عز وجل، فلابد أن يوحد الله عز وجل على علم لا جهل فيه، والمقصود: بالعلم أي: بمعنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا شك أن العلم بلا إله إلا الله معناه: أنك لابد وأن تعلم يقيناً أن الإله الحق هو الله عز وجل وحده، وما عداه فإنما هي آلهة باطلة وطواغيت من دون الله عز وجل.

ولا بد من العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً؛ لأن الكلمة في حد ذاتها تشمل النفي والإثبات، فقولك: لا إله نفي لجميع الآلهة، وإلا الله إثبات لإله واحد ورب لجميع من ادعى أنه إله من دون الله عز وجل.

فهذه الكلمة في حد ذاتها تشمل نفي جميع الآلهة، وإثبات إله وحد، وفي البلاغة تفيد الحصر؛ فهي هنا تفيد حصر الألوهية في الله عز وجل، وتنفي الألوهية عما عداه، كقول الله عز وجل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} [آل عمران:144]، فهي تفيد حصر الرسالة في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس معنى ذلك نفي الرسالة عمن عداه من إخوانه من المرسلين والأنبياء، وإنما هذا كلام خاص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإثبات أنه مبعوث مرسل من عند الله عز وجل.

وقال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد:19].

وبوب الإمام البخاري في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل، وقد أراد الإمام البخاري بهذا أن يبين أنه لا يصح قول ولا عمل إلا بعلم، وأنه لابد لكل قائل وكل عامل أن يكون قوله وعمله صادراً عن علم بالله عز وجل، وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فمن عمل بغير علم فهو شبيه بالنصارى؛ لأن العمل بغير علم ضلال.

والتقول على الله عز وجل إنما هو من غضب الله عز وجل على المرء، ولذلك في أواخر سورة الفاتحة، يدعو المؤمنون الله عز وجل أن يهديهم الصراط المستقيم، لا صراط الذين غضب الله عليهم ولا الضالين، وهم اليهود والنصارى.

وقال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف:86]، أي: بلا إله إلا الله، فشهادة الحق هي لا إله إلا الله، قال: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86]، أي: يعلمون بقلوبهم معنى لا إله إلا الله، وما نطقت به ألسنتهم.

وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:18]، فالله عز وجل والملائكة وأولو العلم جميعاً شهدوا بأنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر:9].

وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]، فكلما ازداد العبد علماً بالله عز وجل كلما ازداد منه خشية، ولذلك لما نودي الأعمش، أو شعبة أيها العالم! قال: إنما العالم من يخشى الله.

وأعلى مراتب العلم بالله عز وجل خشيته عز وجل.

وقال تعالى: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43].

وفي الصحيح عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقد بوب الإمام النووي لهذا الحديث في صحيح مسلم بباب: الدليل على أن مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015