خلاصة الكلام عن حقيقة مذهب السلف وضبطه

إذاً: هاتان مسألتان لابد من ضبطهما:

المسألة الأولى: ماذا يقصد بمذهب السلف؟

والمقصود به أنه سنةٌ لازمة، وأن الاجتهاد بخلافه محرم، وأن تقليد المجتهد بخلافه محرم، وأن القول المخالف يكون بدعةً وضلالاً، ويلزم من هذا أن يكون عند المجتهد المخالف له -ولابد- تفريطاً، وإذا كان بعد شيوع القول السلفي وبلوغه إياه لم يتبعه فإنه يكون مشاقاً لله ورسوله ..

هذه لزومات تلزم في كل ما قيل عنه مذهب السلف.

وهذه اللزومات إذا ما اعتبرناها بالمسألة الثانية، وهي أن مذهب السلف هو الإجماع لا تشكل؛ لأن كل من خرج عن الإجماع المنضبط يسوغ أن يقال عنه: إنه مفرط، وأن اجتهاده لا يجوز، ويسوغ كذلك أن يقال عنه: إنه لا يجوز متابعته في اجتهاده.

حتى لو عرض هذا من إمامٍ فاضل كـ حماد بن أبي سليمان، قيل: إن قوله بدعة خارج عن الإجماع.

ولذلك نجد أن الذين خرجوا عن الإجماع المنضبط هم أئمة أهل البدع، من الخوارج والشيعة والمتكلمين وأمثال هؤلاء، وإن كان قد يعرض أن يخرج بعض أئمة السنة عن بعض مسائل السلف كخروج حماد، لكن هذا نادر، فإن الذي كان مطرداً عند الأئمة هو أن الذي يخرج عن سنتهم ولزومهم هم أئمة أهل البدع، الذين لا يعتبرون منهجهم وطريقة هدي صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام.

المسألة الثانية: بم يحصل مذهب السلف؟

بأحد طريقين:

الطريق الأول: النقل، وله وجهان:

الوجه الأول: الاستفاضة، كاستفاضة قولهم: الإيمان قولٌ وعمل، وتواردهم على ذلك، لذلك لما جاء حماد بعد هذه الاستفاضة أصبح قوله بدعةً.

الوجه الثاني: أن ينص بعض علماء الإسلام المعتبرين في ضبط مذهب السلف أن هذا إجماع ولا ينخرم.

والطريق الثاني لتحصيل مذهب السلف ليس طريقاً لأهل البدع؛ لأن الغلاة من أهل البدع وأهل البدع المغلظة أصلاً ما كانوا ينتسبون إلى مذهب السلف، وإنما هذا طريق طائفةٍ من أهل البدع من متكلمة الصفاتية، وإذا قال الإمام ابن تيمية: متكلمة الصفاتية فإنه يقصد ابن كُلاب والأشعري وأمثالهم، ممن يحصلون مذهب السلف بطريق الفهم.

ومن أمثلة ذلك التحصيل: أن الأشعري في كتبه قال: "أجمع أهل السنة أن الله ليس بجسم" لأنه وجد أن أئمة السلف ينكرون التجسيم والتشبيه، وهذا ليس تحصيلاً بالنص؛ فإنه لم يصرح أحدٌ من السلف أن الله ليس بجسم، لكن الأشعري حصله فهماً، وقد تكون أدوات الفهم أحياناً -وهذا هو الذي يشكل- عاصفة، أي: ملزمة في عقل الإنسان أو في عقل الناظر، فهو قد وجد أن السلف أطبقوا على ذم التشبيه، فقال: إنهم يذهبون إلى أن الله ليس بجسم، مع أن مذهب السلف هو التوقف عن هذا الحرف أصلاً، وأن هذا حرف مبتدع إثباتاً ونفياً، وإذا ذكره ذاكر سُئِل عن مراده به، فإذا أراد بالنفي مراداً باطلاً، قيل: المراد ليس صحيحاً، وإن كان النفي يتوقف فيه.

وإن أراد بنفي التجسيم عن الله أي: أن الله ليس كالمخلوق وليس كالمحدثات وليس كجسمٍ من الأجسام ..

فهذا المعنى صحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى منزه عن هذا، لكن الحرف حرفٌ مشكلٌ متردد فيه؛ لظهور مادة الإجمال فيه عند كلام المتكلمين فيه.

بعد هذه المقدمة اللازمة، أرى ضرورةً من طلبة العلم أن يعتنوا بالتفقه في هاتين المسألتين ليحصل اجتماع أهل السنة والسلفيين كما كان أصلهم وطريقتهم السالفة، ولا يتنابذوا ويتنابزوا بالألقاب والهجران من القول نتيجة غلط في تقرير المنهج الذي يعتبر منهجاً سلفياً.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015