قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ... )

ثم جاءت قضية عتاب الذين انفضوا عن رسول الله، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة:11] ، وهذا حين كانت الخطبة بعد الصلاة، وكانوا يظنون أن الخطبة نافلة فإذا تمت الصلاة فمن شاء جلس أو استمع ومن شاء انصرف، ثم بعد ذلك انتقلت الخطبة قبل الصلاة لئلا يذهب أحد.

ويبحث بعض العلماء في الضمير في هذه الآية، حيث يقول تعالى: (انفضوا إليها) و (إليها) ضمير مؤنث، واللهو مذكر والتجارة مؤنثة، والضمير راجع إلى التجارة، يقول بعض علماء اللغة: العود على أحد المذكورين يشمل الثاني، ولكن لماذا رجع على المؤنث دون المذكر؟ والجواب: رجع على التجارة لأنها الأصل وهي السبب؛ لأنه كان من عادتهم إذا قدمت تجارة أن يدقوا لها الطبول، وهذا هو اللهو؛ ليعلم بقدومها التجار، فيجتمعون ويتساومون ويبيعون ويشترون، فلما كانت التجارة هي الأصل رجع الضمير عليها.

قال تعالى: {انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة:11] يقول صلى الله عليه وسلم: (لو خرجوا جميعاً لسال بهم الوادي ناراً) ، فرحمهم الله بهذا العدد الباقي.

{قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ} [الجمعة:11] أي: مما دعاكم إليه {خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة:11] ، فأنتم خرجتم للتجارة تطلبون الرزق في البيع والشراء، وما عند الله بالسمع والطاعة والبقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لكم مما انصرفتم إليه، والله خير الرازقين، فالرزق عند الله ليس من عند هذه التجارة.

وحاصل الكلام أن هذه السورة الكريمة بينت حق الله سبحانه وتعالى على الكائنات، وأنه يسبح له كل ما في السموات وما في الأرض.

ثم بين فضل النبي صلى الله عليه وسلم ونعمته عليه وعلى الأمة، وعلى من يأتي بعد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ثم قرعت اليهود في كونهم يكتمون الشهادة، وفي كونهم لم يؤمنوا أو لم يستفيدوا مما آمنوا به، وضرب لهم هذا المثل السيئ، ثم ذكر المؤمنين وحثهم على الحفاظ على الجمعة وما فيها من فضل لهم.

والسورة الثانية تعقبها مباشرةً في رسم المصحف، وهو سورة المنافقون، فبعد أن بين حقيقة اليهود جاء إلى حقيقة المنافقين، وهي الطائفة الثالثة في ذلك الوقت، فقد كان في المدينة مسلمون ويهود ومنافقون، فتكلم عن المنافقين وكشف عن أحوالهم، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أحياناً يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الركعة الثانية سورة المنافقون؛ لاقترانهما وترتيبهما في المصحف، وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم ربما كان يقرأ في الجمعة (سبح اسم ربك الأعلى) والغاشية.

فلهذه المناسبات، ولمضمون هاتين السورتين الكريمتين كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة، حيث يجتمع الجميع والكل يسمع في ذلك، وبالله تعالى التوفيق.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015