الوقت الاضطراري للفجر والعصر

قال المؤلف: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) متفق عليه] .

تقدم لنا في تحديد الأوقات أن صلاة الظهر حينما تزول الشمس عن كبد السماء إلى أن يصير ظل كل شيء مثله زيادة على ظل الزوال، ووقت العصر من أول ما يصير ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس، إلى تضيفها للمغيب.

فالعصر له عدة أوقات، وقد ذكر النووي عن الشافعية أن للعصر أوقاتاً متعددة: وقت الفضيلة في أولها، ووقت الإباحة حينما يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الكراهية حينما تصفر الشمس.

وهذا الحديث فيه بيان وقت الضرورة، وذلك لمن كان نائماً أو كان ناسياً أو اشتغل عنها، فأدرك من العصر ركعة بقراءتها وبركوعها وبسجدتيها قبيل غروب الشمس، وبعد أن أكمل الركعة غربت الشمس؛ فقد أدرك العصر، بمعنى أدرك وقتها، فإنه يُصلي بعد غروبها ثلاث ركعات تتمة للأربع، وهذا أضيق وقت للعصر.

ويبحث الفقهاء لو أن الحائض طهرت قبل أن تغرب الشمس بما يسع ركعة، فهل تلزمها صلاة العصر أم لا؟ ولو أن الكافر أسلم قبل غروب الشمس بما يسع ركعة فهل تلزمه هذه الصلاة أم لا؟ ولو أن الصبي بلغ الحلم قبل غروب الشمس بركعة فهل تلزمه هذه الصلاة أم لا؟ يقولون: نعم؛ لأنه أدرك الوقت بالركعة، فعليه أن يصلي هذه الصلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وإذا كان الوقت قبل غروب الشمس بما يسع خمس ركعات، فأسلم الكافر أو طهرت الحائض أو بلغ الصبي، فإن على هؤلاء الثلاثة صلاة الظهر والعصر معاً؛ لأن وقت الظهر والعصر مشترك بينهما، فيدرك الظهر بأربع ركعات، والعصر بركعة، وكذلك لو حصل ذلك قبل الفجر بأربع ركعات، فإنه يلزمهم صلاة المغرب وصلاة العشاء، فيدركون المغرب بثلاث والعشاء بركعة.

فمن أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدرك الوقت، وتكون صلاته أداءً وليست قضاء، وكذلك من لزمته الصلاة قبل غروب الشمس بركعة فإن عليه أن يُصلي تلك الصلاة، وكذلك الحال في الصبح، فمن أدرك ركعة قبل طلوع الشمس فالحكم في ذلك واحد.

الحديث هذا فيه مجالات من البحث الفقهي، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند غروب الشمس، وعند شروقها، وعند استوائها، كما في حديث: (ثلاثة أوقات نهينا عن الصلاة فيها، وأن نقبر فيهن موتانا) ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فإنه سيصلي أثناء غروبها وبعد غروبها الثلاث الركعات الباقية، فيكون قد صلى عند غروبها، وكذلك من أدرك ركعة قبل طلوع الشمس فسيصلي الركعة الثانية في أثناء طلوعها، فيكون قد صلى في الوقت الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم، ويجيبون عن ذلك بأن النهي متعلق بابتداء الصلاة بأن تُنشئ صلاة وتبتدأها في تلك اللحظات، أما أن تكون في صلاة ويدركك غروبها أو يُدركك شروقها؛ فليس داخلاً في النهي.

قال: [ولـ مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها نحوه وقال: سجدة بدل ركعة، ثم قال: والسجدة إنما هي الركعة] .

هذا طرف من هذا الحديث، ومن العلماء من يقول: من أدرك السجدة فقد أدرك الركعة، والسجدة جزء من الركعة، وبعضهم يقول: الركعة هي بكامل أركانها من القراءة والركوع والرفع والسجود والجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية، فهذه هي أركان الركعة، فيقولون: من أدرك السجدة -وهي جزء من الركعة- فقد أدرك الصلاة، يا سبحان الله! وهل يُدرك السجدة إلا من أدرك الركعة من أولها، فمن سجد فقط فلا تعتبر سجدة في حقه، ولا يصح أن يأتي عند غروب الشمس ويسجد! لا، بل سيأتي ويكبر تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر معها من آية أو سورة قصيرة، ثم يركع، ثم يرفع، ثم يسجد.

وهل المعتبر من أدرك الركعة قبل أن تغرب الشمس أو من أدرك تكبيرة الإحرام؟ في بعض الروايات أنه من أدرك تكبيرة الإحرام قبل غروب الشمس فقد أدرك الصلاة، إذاً: رواية (من أدرك السجدة) ، فيها أن إدراك الركعة إنما هو من أولها إلى آخرها، أي: ركعة كاملة بكامل أركانها، ولهذا جاءت هذه الرواية: (من أدرك السجدة) ، وليس المراد جزءاً من الركعة فقط، ولكن أدرك الركعة من أولها إلى السجدة قبل غروب الشمس عليه، بخلاف ما إذا كبر تكبيرة الإحرام فلما كان يقرأ الفاتحة غربت الشمس، فإنه في هذه الحال لم يدرك السجدة، أي: لم يدرك السجدة قبل غروبها على هذه الرواية.

ولكن جاءت رواية فيها: (من أدرك تكبيرة الإحرام قبل غروب الشمس فقد أدرك الصلاة) ، وهذا هو وقت الضرورة، كأن يكون نائماً، ولم يستيقظ إلا في ذلك الوقت، أو امرأة كانت حائضاً ولم تطهر إلا في ذلك الوقت، أو الذين طرأ عليهم الوجوب والإلزام كالصبي إذا بلغ في ذلك الوقت، أو الكافر إذا أسلم في ذلك الوقت.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015