الموظف قد يكون فقيراً

لو أن موظفاً له راتب شهري، ولكن لوازم حياته ومستلزماته أكثر من هذا الراتب، فهل يكون غنياً أو فقيراً؟ الفقهاء حددوا المسكين بأنه من كان دخله أقل من نفقته، والفقير من لا دخل له، كما في الآية: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف:79] ، كان عندهم سفينة يعملون في البحر، ويكرونها، ومع ذلك سماهم مساكين؛ لأن دخلهم من السفينة لا يكفي نفقة عوائلهم، وكذلك قد يكون حال صاحب وظيفة، صاحب معرض، صاحب سيارة، صاحب مزرعة، صاحب عمارة، صاحب أي سبب من الأسباب التي يتعاظمها الناس، وينظرون إليها نظرة إعجاب، فقد يكون الدخل مع عظم المورد لا يفي بالحاجة، وهذا أشق ما يكون في المجتمع؛ لأن من لا شيء له ظاهر: لا مزرعة، ولا معرض، ولا وظيفة، ولا شيء، فالكل يقول عنه: مسكين ليس عنده شيء، ويتعاطفون معه، لكن هذا يرون مظهره، ويرون دخله، فيرون أشياء عظيمة، ولا يعلمون بحاله! فالمورد قد لا يكفي، بل قد يكون له وقت معين، كما سئل أحمد عن رجل له مزرعة، وزرع فيها، ونبت الحب ونما وجف، ولم يبق عليه إلا الحصاد، وليس عنده ما يحصد به، وليس عنده نفقته، فهل يعطى من الزكاة؟ قال: يأخذ من الزكاة مع أنه بعد الحصاد سيكون لديه المال الوفير، لكن في هذه الساعة ليس عنده شيء.

وأجمعوا أنه إذا كان الرجل يملك منزلاً كبيراً يسعه ويسع غيره معه، وليس عنده نفقة، فله أن يأخذ من الزكاة؛ لأنه لن يأكل من هذا البيت الكبير! ولا يكلف ببيعه والسكن في بيت صغير، وهذا مستوى حياته.

فمن أصابته فاقة بأي سبب، وشهد له بالفاقة ثلاثة من ذوي الحجى، فله أن يسألها، وكان الشهود ثلاثة لأن المشهود به أمر خفي، وما كل إنسان حتى من الجيران يعلم بحقيقة أمره، ولن يقول له: كم راتبك؟ وكم مصرفك؟ وكم نفقة عيالك؟ وفي هذه الآونة الأخيرة خاصة، تنوعت وتوسعت مرافق الحياة، فالولد في المدرسة يحتاج، والمريض في المستشفى يحتاج، ونفقات المرافق العامة تحتاج، مثل فواتير كهرباء، وفواتير ماء، وفواتير هاتف، وكلها لوازم شهرية، وأنت تنظر إليه كل يوم في ثياب طيبة، ذاهب إلى الدائرة، وراجع من العمل، وتظن أنه يذهب خماصاً، ويرجع وقد ملأ جيوبه من المال! وهو راتب والله سبحانه وتعالى أعلم بحاله، ومعظم الموظفين -لا أقول: خمسون بالمائة بل الأكثر- ربما لا يأتي عليهم نهاية الشهر إلا وقد استدانوا.

إذاً: هذا الصنف من الناس يجب التنبه لهم؛ ولذا جعل الشارع ثلاثة من العقلاء الأذكياء الذين لهم بصيرة، ويعرفون حقيقة حياته وحقيقة معيشته، فيشهدون بأن فلاناً أصابته فاقة فعلاً، يعني: ليس عنده ما يكفي حاجته في هذه الحالة، ولا نقول له: يطير في السماء! ولكن نقول: له الحق أن يسأل ويأخذ حتى يسد حاجته، وفي هذا الحديث بيان وجوب التعفف، وإعطاء الفرد المسلم حقه بما يسد حاجته، وتعاون المجتمع في مثل هذه الحالات.

ومن هنا -يا إخوان- تجدون في المحاكم إذا ادعى إنسان إعساراً، وادعاء الإعسار لا يكون إلا في المدين، سواءً أعسر في نفقة شرعية، أو أعسر في نفقة سفه، أو أعسر في أمر مما يخصه هو، فيطلب منهم في المحاكم تقديم ثلاثة شهود، واثنان يزكيانهم، ويشهدان على صدقهم وأمانتهم ومعرفتهما بهم، وبالله التوفيق.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015