وقفة إجلال لذي الجلال والكمال

أيها الناس! أيها البشر! وقفة إجلال لذي الجلال والجمال والكمال، تقدس في علاه، لا إله إلا هو، ولا نعبد إلا إياه، ولا نرجو سواه، قال موسى لربه: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف:143] أي همة يحملها هذا النبي! أشرقت نفسه بحب الواحد الأحد، اصطفاه بالكلام على البشر، فلما أعطاه الله الكلام، تاقت نفسه ليرى الواحد الأحد، ما أعظم الله! لا يُرى في الدنيا، ما أجل الله! لا يبصره المخلوق، ما أجله وما أشرفه! وما أرقى مكانه! لا نراه نحن في الدنيا، نحن أذل وأقل، وأكثر ذنباً وحقارة وهزالاً، وحاجة من أن نرى الله، قال الله: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف:143] لن تستطيع رؤيتي في الدنيا، أنت بشر والبشر لا ينظر إلي في الدنيا، أنت مخلوق والمخلوق لا يراني في الدنيا، أنا أعظم من أن يراني الناس، أنا أعظم من أن يراني البشر في هذه الحياة الدنيا، تعالى الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص:1 - 4].

لن تراني يا موسى أبداً في الدنيا، فالجليل الكبير العظيم المتفرد بالكمال والجلال والجمال لا يراه البشر في الدنيا، على العرش استوى وعلى الملك احتوى، يعلم ما في السموات والأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، قال: {قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [الأعراف:143] إن كان الجبل يصمد لرؤيتي فسوف تراني، إن كان الجبل يستطيع أن يقف مكانه فسوف تنظر إلي، إن كانت أحجار الجبل فيها من القوة والصلابة والمناعة والجدارة أن تثبت فلتثبت: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [الأعراف:143] قال أهل العلم: جبل طور سيناء، من أعظم الجبال صخوراً وحجارة، وصلابة وشدة وقوة، لكنه الواحد الأحد، أقوى من كل قوي، أغنى من كل غني، أمنع من كل ملك، أشرف من كل شريف، أعز من كل عزيز: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف:143] إن كان الجبل يثبت مكانه فسوف تثبت أنت، إن كان الجبل بصخوره وحجارته وعروقه وأوتاده يثبت للنظر فسوف تثبت: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} [الأعراف:143] قال سفيان: [[ساخ الجبل في البحر]] تجلى الله سبحانه تجلياً يليق بجلاله، لانكيفه ولا نشبهه ولا نمثله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11].

تجلى للجبل العظيم المدلهم الآخذ طولاً وعرضاً، الشامخ بأوتاده وقوته وجذوره وصلابته وحجاره، وصخوره فاندك الجبل وساخ، ذاب للواحد الملك الوهاب، إليه المناب والمتاب: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} [الأعراف:143] قالوا: ساخ الجبل، وقيل: انغمس في الأرض، وقيل: وقع في البحر: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} [الأعراف:143] قالوا: إنه مات، والصحيح أنه أغشي عليه، وفارق وعيه، من هول المشهد، يوم رأى الجبل يتناثر، والصخرة تدك، ورأى الحجارة تذوب فخر صعقاً عليه السلام، وغشي عليه، ثم أيقظه الواحد الأحد الذي يحيي العظام وهي رميم: {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ} [الأعراف:143] لا أكرر هذا الطلب، سبحانك! أتأدب بين يديك، سبحانك تعاليت، يقول أهل التفسير: تقدست أن يراك الناس في الدنيا، سبحانك تعاظمت أن يراك المخلوق في هذه الحياة، سبحانك لا أسألك مسألة لا تليق بي! سبحانك أنت أعظم من أن تراك العيون! أو تدركك الأبصار، تعاليت في عليائك، ما أحسن الكلمة! وقع موسى مرمياً مغشياً عليه فلما أفاق، نفثت شفته، ونطقت لسانه: و {قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} [الأعراف:143] لا أكررها مرة ثانية، أتأدب على بساط الربوبية، وفي محراب العظمة، وفي إيوان القدسية، وفي دار الوحدانية، والألوهية، وأنا أول المؤمنين، هذه وقفة عظمة، للعظيم جل في علاه.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015