عمر يفتح القدس

خرج عمر من المدينة -ورضي الله عن عمر، عمر العدل، والجهاد، والصدق- خرج ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، كان بإمكانه أن يرسل نائباً، أو مستشاراً، أو مندوباً، لكن المهمة خطيرة إنه بيت المقدس أولى القبلتين، وخرج بنفسه، فهل خرج بسلاح؟

لا.

وهل خرج بعتاد؟

لا.

وهل خرج بحرس؟

لا.

أخذ ناقة وأخذ مولاه وذهب معه في ثيابه القديمة وعصاه، وقال لمولاه: تركب مرة وأنا مرة، فكان المولى يقود الجمل وعمر يركب، فإذا انتهت مدة عمر، نزل عمر فقاد الناقة وركب مولاه، واقترب عمر من بيت المقدس {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء:97] خرج النصارى وخرج الأطفال وخرجت النساء ينظرون إلى عمر، هذا الذي ملأ سمع الدنيا، والذي دوخ رأس المعمورة، وداس الأكاسرة والقياصرة وذبحهم ذبح الشياه، والذي بلغت جيوشه جورجان وأذربيجان والسند وطشقند والهند، يريدون أن يروا عمر أمن لحم ودم أم من حديد؟

ما هو لباسه؟

كيف تاجه؟

كيف جيشه؟

كيف حرسه؟

كيفت كتائبه؟

وكانت جيوشه هناك على مشارف بيت المقدس، لأن الجيوش لما فتحت جاء القائد الأعلى ليأخذ المفاتيح، فأتى عمرو بن العاص واقترب من عمر وقال: فضحتنا يا أمير المؤمنين! قال: ولم؟، قال: أتيت في ثيابك هذه وناقتك ومولاك! أما أخذت قوة ترهب الأعداء؟

فلقد خرج الناس، فانظر إلى الألوف قد جاءوا لاستقبالك، فدمعت عينا عمر، وقال: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]].

واقترب عمر من بيت المقدس داخلاً المدينة، وقد امتلأت السكك بالرجال والنساء والأطفال ينظرون إلى هذا العلم البارز، فكان عادياً، ثيابه مرقعة، لكن إيمانه كالجبال الراسية، صنع الله الذي أتقن كل شيء، فلما اقترب وإذا الطين وبلل الطين في سكك بيت المقدس، فأتت نوبة المولى ليركب على الجمل، قال: يا أمير المؤمنين! وصلنا والعقبة عقبتي لكن أتنازل بها لك لتركب، لأننا أصبحنا أمام النصارى، قال عمر: لا.

والله لا يركب إلا أنت، فركب المولى، وأتى عمر يقود الجمل ويرفع ثيابه عن الطين.

فماذا فعل النصارى؟

بكوا وارتفع البكاء على أسطح المنازل، وفي السكك منظر غريب، أهذا عمر في الطين؟!

أعمر يقود الجمل ومولاه على الجمل!

أعمر بهذه العصا وهذه الثياب الممزقة، وقد خفناه شهراً كاملاً!

نصرت بالرعب شهراً قبل موقعة كأن خصمك قبل القتل في حلم

إذا رأوا طَفَلاً في الجو أذهلهم ظنوك بين جنود الجيش والحشم

فبكى النصارى، وقالوا: بهذا الفعل فتحتم الدنيا، وتقدم وسلم على الصحابة، وقبل أن يجلس في بيت المقدس أخذ المفاتيح، فكانت مراسيم هائلة وبكى الصحابة بنصر الله وبمثل نصر الله يبكي فرحاً المؤمنون.

طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني

وحانت صلاة الظهر، وقال عمر: [[يا بلال! قم فأذن، قال بلال: يا أمير المؤمنين! قد حلفت ألا أؤذن لأحد بعد الرسول عليه الصلاة والسلام -لأن بلالاً لما مات عليه الصلاة والسلام اعتزل الأذان وأقسم بالله لا يؤذن لأحد بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم- فقال عمر: عزمت عليك أن تكفِّر، وأن تؤذن، فقام وأذن]] ليرفع صوت الحق لأول مرة: الله أكبر، الله أكبر.

الله أكبر، الله أكبر.

فكان عمر أول من بكى من الناس، ثم ارتفع البكاء لمسألتين عظيمتين:

الأولى: ذكرهم بالحبيب عليه الصلاة والسلام، وذكرهم بالأيام الخالدة وبالعهد الأول.

وداعٍ دعا إذ نحن بـ الخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري

دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بـ ليلى طائراً كان في صدري

والثانية: فتحٌ من الله، ونصر عظيم لهذه الأمة، أن تسترد بيت المقدس، وأن تصلي فيه، وأن تعيش فيه.

ومات عمر واستمر بيت المقدس مع المسلمين، فلما تخاذل المسلمون عن لا إله إلا الله وقاطعوا المساجد، وهجروا المصحف، واشتغلوا بالأغنية، وبالعود وبالكوبة، وبالورقة وبجمع الطوابع، وبالمراسلة وبالنزهات؛ ضاع بيت المقدس من المسلمين، وانهار العالم الإسلامي، ولكن أراد الله أن يعيد لنا بيت المقدس في القرن السادس على يد من؟

أعلى يد العرب؟

لا يشترط أن يكون العرب هم الذين يؤيدون هذا الدين {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89].

إذا كفر العرب، ففي الترك مسلمون.

وإذا أعرض العرب، ففي الهنود مؤمنون.

وإذا نكس العرب، ففي الأفغان مجاهدون.

الدين هذا ليس حجراً للعرب، الدين هذا ليس لـ صنعاء، أو بغداد، أو الرياض، أو جدة، أو مكة، أو تونس، أو الجزائر، الدين هذا للعالم، للكرة الأرضية، من اتقى الله فهو حبيب الله ولو كان مولى، ومن عادى الله فهو عدو لله، ولو كان سيداً قرشياً.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015