إن اعتماد بعض المؤرخين المحدثين على عدد من مصادر المتأخرين (كالحلبي وأبي الفدا والمقريزي وابن الأثير.. إلخ) كمصادر محورية، وتغافلهم عن واحد أو أكثر من المصادر الأساسية الواردة، آنفا، جعلهم يتركون ثغرات عميقة في صلب أبحاثهم، كما دفعهم إلى سرد الكثير من الإضافات (المتأخرة) التي لا تعرفها المصادر الأولى، ومن ثم تضخيم وقائع السيرة إلى أضعاف حجمها الحقيقي على حساب الوقائع نفسها. لذا كان لا بد- مرة أخرى- من عرض كافة الروايات على معطيات القرآن والسنة والمصادر الأولى- على ما في الأخيرة من إضافات وثغرات- وعلى مقولات العقل الخالص، ثم على الأرضية التاريخية التي تحركت فوقها الأحداث، ونمت، واكتسبت ملامحها النهائية. وكل ما لا ينسجم مع هذا أو مع ذاك كان له أن يلغى من حساب المؤرخ الجاد، أو ينسحب- على الأقل- إلى الخط الثاني من روايات السيرة ووقائعها الغنية المتشابكة.

إن النبي العربي- يقول الدكتور جواد علي (?) - هو «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. وهو عبد الله ورسوله، ونبي وبشر مثل سائر البشر إلا في النبوة ونزول الوحي عليه. فقد ورد في القرآن الكريم: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (?) . وعلى هذه الآية وبوحيها يجب السير في تدوين السيرة النبوية وتاريخها، ولو سار المؤرخ بموجبها وبموجب وحي آيات القرآن الآخرى، لجنب نفسه الوقوع في المزالق والماخذ، وجعل السيرة النبوية، سيرة حية: سيرة نبي مرسل بالمعنى الإسلامي الصحيح الذي نجد روحه في الآية المذكورة. ولو جنب أصحاب السير المتأخرون سيرهم القصص الإسرائيلي الذي أدخل على السيرة وعلى الإسلام، والذي لا يتفق مع هذه الآية ومع أحكام القرآن، لأراحوا السيرة وجنّبوا الناس الأخذ بهذا القصص الذي بنى عليه بعض المستشرقين أحكاما وآراء أساءت كثيرا إلى الإسلام، وأرادوا بها التشكيك بصاحب الرسالة والمسلمين» (?) .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015