{وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون وَإِن جندنا لَهُم الغالبون}

ووراء هَؤُلَاءِ قوم يبعثون لاتمام الْحجَّة، وَالله أعلم.

وَإِذا بعث النَّبِي وَجب على الْمَبْعُوث إِلَيْهِم أَن يتبعوه، وَإِن كَانُوا على سنة راشدة، لِأَن مناوأة هَذَا المنوه شَأْنه يُورث لعنا من الْمَلأ الْأَعْلَى، وإجماعا على خذلانه، فينسد سَبِيل تقربهم من الله، وَلَا يُفِيد كدهم شَيْئا،

وَإِذا مَاتُوا أحاطت اللَّعْنَة بنفوسهم، على أَن هَذِه صُورَة مَفْرُوضَة غير وَاقعَة، وَلَك عِبْرَة باليهود: كَانُوا أحْوج خلق الله إِلَى بعث الرَّسُول لغلوهم فِي دينهم وتحريفاتهم فِي كِتَابهمْ.

وَثُبُوت حجَّة الله على عباده ببعثه الرُّسُل إِنَّمَا هُوَ بِأَن أَكثر النَّاس خلقُوا بِحَيْثُ لَا يُمكن لَهُم تلقي مَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم بِلَا وَاسِطَة، بل استعدادهم إِمَّا ضَعِيف يتقوى بأخبار الرُّسُل، أَو هُنَالك مفاسد لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْقصرِ، على رغم أنفهم، وَكَانُوا بِحَيْثُ يؤاخذون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَأوجب لطف الله عِنْد اجْتِمَاع بعض الْأَسْبَاب العلوية والسفلية أَن يُوحى إِلَى أزكى الْقَوْم أَن يهْدِيهم إِلَى الْحق، ويدعوهم إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، فَمثله فِي ذَلِك كَمثل سيد مرض عبيده، فَأمر بعض خواصه أَن يكلفهم شرب دَوَاء أشاؤا، أم أَبُو، فَلَو أَنه أكرههم على ذَلِك كَانَ حَقًا، وَلَكِن تَمام اللطف يَقْتَضِي أَن يعلمهُمْ أَولا أَنهم مرضى، وَأَن الدَّوَاء نَافِع، وَأَن يعْمل أمورا خارقة تطمئِن نُفُوسهم بهَا على أَنه صَادِق فِيمَا قَالَ، وان يشوب الدَّوَاء بحلو، فَحِينَئِذٍ يَفْعَلُونَ مَا يؤمرون بِهِ على بَصِيرَة مِنْهُ وبرغبة فِيهِ، فَلَيْسَتْ المعجزات، وَلَا استجابة الدَّعْوَات، وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أمورا خَارِجَة عَن أصل النُّبُوَّة لَازِمَة لَهَا فِي الْأَكْثَر، وَظُهُور مُعظم المعجزات يكون من أَسبَاب ثَلَاثَة:

أَحدهَا كَونه من المفهمين، فَإِن ذَلِك يُوجب انكشاف بعض الْحَوَادِث عَلَيْهِ، وَيكون سَببا لاستجابة الدَّعْوَات وَظُهُور البركات فِيمَا يبرك عَلَيْهِ.

وَالْبركَة إِمَّا زِيَادَة نفع الشَّيْء بِأَن يخيل إِلَيْهِم مثلا أَن الْجَيْش كثير، فيفشلوا أَو بِصَرْف الطبيعة الْغذَاء إِلَى خلط صَالح، فَيكون كمن تنَاول أَضْعَاف ذَلِك الْغَدَاء، أَو زِيَادَة عين الشَّيْء بِأَن تتقلب الْمَادَّة الهوائية بِتِلْكَ الصُّورَة لحلول قُوَّة مثالية، وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي يعسر إحصاؤها.

وَالثَّانِي أَن تكون الْمَلأ الْأَعْلَى مجمعة إِلَى تمشية أمره، فَيُوجب ذَلِك

إلهامات وإحالات وتقريبات لم تكن تعهد من قبل، فينصر الأحباء، ويخذل الْأَعْدَاء، وَيظْهر أَمر الله وَلَو كره الْكَافِرُونَ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015