وقد جاء مثل ذلك في القرآن العظيم والحديث الصحيح؛ فأما ما جاء في القرآن الكريم فقوله تعالى: " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس " يريد: غالب القرآن لأنه لم ينزل فيه بأجمعه.

وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي جاءته تشاوره: أي الرجلين تتزوج؟ فأشار عليها بأحدهما وقال لها عن الآخر: إن فلاناً لا يضع عصاه عن عاتقه، لا إنه في حال الصلاة والنوم كذلك، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم انه كثير الأسفار، فغالب وقته تكون عصاه على عاتقه.

ومنهم من قال: استعملها ضرورة وهو يعلم أنها عيوب.

ومنهم من قال: إن ذلك لم يكن مشروطاً عنده، وإنما عوام المتأخرين إبتدعوا ذلك، وأقاموا لهم قواعد هذه من جملتها، كابتداعهم شد الغلام وتسميته الراجح وراجح الرجاح والقيم.

وذكر الإنسان اسمه في آخر زجله، ويسمونه الاستشهاد، ويثني فيه على نفسه الثناء البالغ، ولعب المناصف بالرهان على يد الحاكم أسوة بأرباب الملاعيب، الذين هم أراذل الناس، والجلوس في الحلق في يوم معين، ويسمونه الطابق يقام لهم محفل من الجماري والحرافيش، وهذا لم يسمع بشيء منه للأئمة المتقدمين، ولا وجد لهم في كتاب.

ومنهم من قال: إن فصحاء المتأخرين حرموا ذلك، وحملوا على الإمام المخترع في قوله.

وجردت فني من الإعراب.......

على الإطلاق.

وهذا الذي أجمع عليه علماء فن الزجل، وهو أصح الأقوال، وأقرب الأحوال؛ وإلا فما الفرق بين الزجل والموشح، هذا معرب وهذا ملحون، ولحن الزجل إعرابه. وابن سناء الملك رحمه الله تعالى أظهر لنا الفرق بين الزجل والموشح بقرينة لطيفة، وهو أنه جعل في آخر غالب موشحاته خرجة مزجلة تارة تدخل عليها بأغصان من موشحه، وتكون الخرجة من نظم أئمة الزجالة، وتارة تكون الخرجة المزجلة من نظمه، وغالب أئمة الوشاحة فعلوا ذلك، ليظهر الفرق، وهو مثل الصبح ظاهر.

وعند الجميع أن التزنيم في الموشح أقبح منه في الزجل، لأن من أعرب في الملحون فقد رد الشيء إلى أصله، ومن لحن في المعرب فقد زل عن الطريقين وخالف المذهبين، وقد وقفت للإمام أبي بكر بن قزمان مع علمه أن التزنيم في الموشح أقبح من التزنيم في الزجل، على موشحة لم يسلم له بيت منها من التزنيم، وقد أثبتها هنا بكمالها، وهي هذه الموشحة:

معشر العذال بي من الأقمار ... أغصنٌ ميادة مسن في أكفالي

قد جنا من لاما ... كل عانٍ صب

ببدور ذا ما ... طلعت من قضب

من قدود هاما ... في هواها قلبي

رية الخلخال قد براها الباري ... لعذابي غادة هيجت بلبالي

عجباً للوامق ... روحه موصولا

مستهامٌ زاهق ... حيث نال السولا

وجمال رائق ... زاد فيه القيلا

نهيت والقالي لا يقيم أعذاري ... شغفي قد زاده وهي لا ترعاني

غايتي في الحسن ... غايةٌ لا تدرك

لم يكن في عدن ... مثلها قط يدرك

وكلت بجفنٍ ... لحظات تفتك

فتكة الأبطال كهزبر ضاري ... سحرها قد صاده وهو ذو أشبالي

أين منها البدر ... أين منها الشمس

زان فاها الدر ... والشفاه اللعس

ولماها الخمر ... ليس فيها لبس

لم تزل عن بالي لا وعن أفكاري ... وهي لي منقادة دون ما إدلالي

فهذه الأبيات لم يخل منها بيت من التزنيم والألفاظ الزجلية، ولعمري إن عذر الإمام لا يقبل في مثل هذا، لا سيما لفظة ذا في البيت الأول التي أراد بها ذاما وقد تقدم قول ابن سناء الملك وغيره من أن أئمة الوشاحة أتوا في آخر كل موشح معرب بخرجة مزجلة لظهور الفرق والتحلي برشاقة الزجل، وعذوبة ألفاظه، فمن ذلك قوله في موشحة، مطلعها:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015