المطلب الثاني: سهولة الاجتهاد الجماعي في العصر الحاضر وأهميته

الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي ليست دعوة عصرية، إنما هي دعوة قديمة، لأن الثقة في العمل الجماعي أكبر من العمل الفردي، وإذا كانت الدعوة للاجتهاد في القديم كانت تجد صعوبات كبيرة، لبعد المسافات وقلة الحيلة، فإن الأمر في زماننا هذا معاكس تماما.

فلا شك أن التقدم العلمي الذي منّ الله به على البشرية في كافة المجالات، جعل الناس يعيشون في مستوى لم يكن أحد ليتصوره.

فإذا كان السائل عن أمر دينه قديما يحتاج إلى أيام وهو يسير على دابته، وربما الشهور، وإذا كان طالب العلم يحتاج إلى السفر الطويل لتحصيل العلم، وكذا الحال في لقاء العلماء. فإن الأمر في زماننا هذا مختلف كليا.

فحركة المواصلات السهلة جدا، وسهولة الاتصال، مما جعل إمكانية حضور العالم لجلسات المجامع الفقهية وهو في بلده، وأن يدلي برأيه كاملا ويناقش ويحاور دون أي عناء، فضلا عما أنعم الله به على العديد من أبناء الأمة من الأموال الكثيرة، وحب التبرع لملتقى العلماء وطباعة قراراتهم وآرائهم، وما تم التوصل إليه، ونشر ذلك ليكون صدقة عنهم.

وإذا كان من السهولة أن يجتمع العلماء، فإن الحاجة الماسة في هذا الزمان تدعو إلى ذلك أيضا، خصوصا وأن الثقة في الاجتهادات الفردية قد ضعفت كثيرا، بسبب الصولات والجولات التي قادها علماء السلاطين في الكثير من المجالات، والأحكام الشرعية المهمة والتي قد تكون من أمور الأمة المصيرية، التي قد تشوه سمعة الإسلام، وتميع أحكامه العظيمة، من أجل منصب زائل، أو متاع دنيوي رخيص.

كما أن التحديات والنوازل، وكثرة الأمور المستجدة، وظهور القضايا المعقدة في هذا الزمان، والتي تحتاج إلى شرح مفصل من أهل الاختصاص الثقات، والتي قد ينتج عنها تفرعات كثيرة جدا في القضية الواحدة، تؤكد ضرورة الاجتهاد الجماعي، ويتحتم على المجتهدين أن يجتمعوا ليقولوا كلمتهم الجماعية، التي تخدم مصلحة الإسلام، والتي تكون بعيدة عن أي مؤثرات خارجية (?).

ومما يزيد من أهمية الاجتهاد الجماعي في هذا العصر، وجود جماعات إسلامية

كثيرة، وكثرت النزاعات حتى وصل الخلاف في بعض الأحيان، أن تختلف الجماعات في أصول الدين، وفي صلب العقيدة، فلا بد من وجود العلماء الكبار الذين تثق بهم الأمة ليفضوا هذا النزاع، ويعيدوا الأمة إلى الدين الحق الذي يريده الله ورسوله.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015