الأصوات:

سبق أن فرَّقنا في الفهم بين الكلام واللغة, وبينَّا أن الكلام أداء فردي في إطار اجتماعي ما، وهذا الإطار الاجتماعي هو اللغة, وحين يتكلّم الفرد يتم كلامه في إحدى صورتين شهيرتين: إما النطق وإما الكتابة. وليس يدخل في غايتنا هنا أن نشرح كيف تتمّ الكتابة, ولا أن نقوم بدراسة تحليلية لمنحنيات الرموز الكتابية وزواياها, ولا أن نلقى ضوءًا أيًّا كان على الرموز الكتابية التي يستعملها "المتكلم", فذلك أمر تهتم به دراسات من نوع آخر, ولكننا مع كل التأكيد لا نستطيع أن نتخلَّى بنفس القدر من اللامبالاة عن العمل النطقي الذي يقوم به الإنسان الفرد, وذلك للأسباب الآتية:

1- إن تقاليد السماع في الكلام بحكم قِدَمِها, وحداثة تقاليد الكتابة جعلت الكلام المسموع يبدو أكبر أهميةً من الكلام المنظور, ذلك لأنه أدخل في الحياة من الكتابة, وأوغل في سلوك الفرد والمجتمع, حتى لقد زعم بعض العلماء أن التفكير لا يتمّ بدون الكلمات, ولعله قصد بالكلمات هنا ما قصده المتنبي بقوله:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلا

2- إن اعتماد الكلام المنطوق على أساسين أحدهما حركيّ يسمَّى المخارج, والثاني سمعي يسمى الصفات, قد عدد أسس الاختلاف بين الأصوات المنطوقة, فأمكن لهذه الأسس وما بينها وما في خلالها من مقابلات أو قيم خلافية أن تكون منطلقًا مناسبًا للسعي إلى إنشاء نظام صوتي لغوي تستخدم فيه هذه القيم الخلافية بين المخرج والمخرج, وبين الشدة والرخاوة مثلًا, وبين الجهر والهمس, وبين التفخيم والترقيق. أما الحركات الكتابية فلا تتعدد فيها الأسس على هذا النحو, ومن ثَمَّ لا يمكن أن يكون للنظام الكتابي من التركيب والتنوع ما للنظام الصوتي منهما.

3- إن الكلام المسموع يتَّسِمُ أحيانًا بطابع التضارب بينه وبين الأنظمة اللغوية "أي القواعد" صوتية كانت أو صرفية أو نحوية, وعند ظهور مشاكل

طور بواسطة نورين ميديا © 2015