ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات المسائل في الدين إذا أشكلت عليه، ومن ثَمَّ قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (نِعْمَ النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنَّ الحياء أن يسألن عن أمر دينهن) (?).

وفي حديث: "إن ديننا هذا لا يصلح لمستحي -أي: حياء مذمومًا- ولا لمتكبر" (?).

ثم الحياء بالمد: انقباضٌ وخشيةٌ يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطَّلَع منه على قبيح، وحُدَّ أيضًا بأنه: خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وحدَّه إمام العارفين وسيد الطائفة أبو القاسم الجنيد قدس اللَّه روحه بأنه: (رؤية الآلاء -أي: النِّعم- ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياء) (?).

وأصله غريزيٌّ، وتمامه مكتسبٌ -كما أفاده بعض الأحاديث السابقة- من معرفة اللَّه سبحانه وتعالى، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهذا هو الذي كُلِّفنا به، وهو من أعلى خصال الإيمان، بل من أعلى درجات الإحسان، وقد يتولَّد الحياء من اللَّه سبحانه وتعالى من مطالعة نعمه، ورؤية التقصير في شكرها، كما أشار إليه الجنيد بما قدمناه عنه آنفًا؛ بخلاف الأول (?)؛ لأنه ليس في الوسع، لكنه لكونه من أجلِّ الأخلاق التي يحبها اللَّه سبحانه وتعالى من العبد ويجبله عليها. . يحمل على المكتسب ويعين عليه، ولهذا قال صلى اللَّه عليه وسلم: "الحياء لا يأتي إلا بخير" أي: لأن من استحيى من الناس أن يروه يأتي بقبيحٍ. . دعاه ذلك إلى أن يكون أشد حياءً من ربه وخالقه عز وجل، فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب معصية.

ومن ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم لمن رآه يعاتب أخاه في الحياء: "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان" (?) أي: من أسباب أصل الإيمان وأخلاق أهله؛ لمنعه من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015