خاتمة:

انتهى دور بابل في التاريخ القديم كدولة مستقلة في عام 539ق. م، كما انتهى قبلها دور آشور بعد عام 612ق. م، ولكن زوال دورهما السياسي لم يستتبعه إطلاقًا زوال تأثيرهما الحضاري في الشرق والغرب معًا. ولم تكن بابل أقل حظًّا من أختها في ذلك، حتى لقد رأى فيها المؤرخون الإغريق الذين زاروها منذ عصرها الفارسي وخلال عصرها السليوكي، صورة تجمعت فيها المفاخر العقلية للعراق القديم كله، فتحدثوا عن تراثها الفلكي بما فيه من تقسيمات دائرة البروج ورموزها الاثنى عشر، وإضافة وتنظيم شهر النسيء "أو الكبس" فيها على أساس دورة زمنية مقدارها ثمان سنوات ودورة أخرى مقدارها تسعة عشر عامًا، وتحدثوا عن قدرة علمائها على التنبوء بخسوف القمر مستعينين بدورة الثمانية عشر عامًا، وعن معرفتهم بالمزولة الشمسية والمزولة المقعرة ثم بالساعة المائية، مع تقسيم الساعة إلى أجزاء ودقائق ... ، وبراعتهم في استخدام الطريقة الستينية التي توارثوها عن عصورهم القديمة ... إلخ1.

ومن طريف ما صوره أحد البابليين الأواخر، خريطة لما تشغله بابل وجاراتها من العالم المعروف لديه، على لوحة مسمارية سجلت في أعلاها بعض حملات سرجون الأكدي "ولعله أراد أن يفسر بها مواقع هذه الحملات"، فصور العالم على هيئة دائرة تحيط بها دائرة أوسع منها قليلًا، بهرتها بابل العظيمة على هيئة دائرة سوداء صغيرة، ويشقها طولًا الفرات ودجلة إلى حيث يصبان في مياة الخليج. ثم صور مدنًا أخرى وشعوبًا على هيئة دوائر سجل أسماءها فيها وبجوارها "ولكن دون اهتداء إلى توزيعاتها الجغرافية الصحيحة بطبيعة الحال". وصور في شمال البحر الكبير ثماني جزر قال عنها إنها لا ترى الشمس. وصور على أطراف دائرته مثلثات كبيرة تخيلها فيما يبدو جبالًا بعيدة أو رواسي ترتكز قبة السماء عليها.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015