الباب الثالث أعياد الشعانين

وأيُّ محبٍّ تجافي الهوى ... بطول التذكّر لم يبرِه

فجعل يردّد البيت الأول والبيت الأخيروقال: لا تخرجن يا خليلي إلى غيره، فلم أزل أردده عليه حتى شرب ثالثاً، واسترحت ساعة وشربت رطلاً وطابت نفسي، ثم استعادني فغنيته لحنه به خلاف الأول، فنظر إليّ وضحك ولم يقل شيئاً، وشرب رطلاً رابعاً، وجاءت المغرب فقال لي: يا خليلي ما أشك أني قد أوحشت ابني منك، فامض في حفظ الله. فانصرفت أطير فرحاً، فلما وافيت أبا أحمد ونظر إليَّ من بعد قال: حنطة أو شعير؟ فقلت بل سمسم وشهد، انج على رغم أنف من رغم، فقال: ويحك، أتراني لا أعرف فضلك؟ ولكني أحببت أن أستعين برأيه على رأيي فيك. فقصصت عليه القصة فسرّه ذلك، ولم يرض حتى دسَّ إليه محمد بن راشد الخناق فسأله عني فقال: ما ظننت أن يكون في صناعته مثله.

قال أبو الحسن جحظة: قال لي خالد الكاتب: دخلت يوماً بعض الدّيارات فإذا أنا بشاب موثق في صِفاد، حسن الوجه، فسلّمت عليه فردّ علي وقال: من أنت؟ قلت: خالد بن يزيد. فقال: صاحب المقطعات الرقيقة؟ قلت: نعم! فقال: إن رأيت أن تفرّج عني ببعض ما تنشدني من شعرك فافعل، فأنشدته:

ترشَّفت من شَفَتيها عُقاراً ... وقبّلتُ من خَدّها جُلنارا

وعانقتُ منها كثيباً مَهيلاً ... وغُصناً رَطيباً وبدراً أنارا

وأبصرتُ من نورِها في الظلام ... لكل مكانٍ بليلٍ نهارا

فقال: أحسنت! لا يفضض الله فاك، ثم قال: أجز لي هذين البيتين:

ربَّ ليلٍ أمدَّ من نَفَس العا ... شق طولاً قطَّعتُه بانتحابِ

وحديثٍ ألذّ من نَظَرِ الو ... امق بدَّلتُه بسوء العتابِ

فوالله، لقد أعملت فكري فما قدرت أن أجيزهما!

الباب الثالث

أعياد الشعانين

أخبرني علي بن هارون بن المنجم عن زرياب قالت: زرت عبد الله بن المعتز في يوم السَّعانين، فسرَّ بورودي وصنع من وقته لحناً في شعر عبد الله بن العباس الربيعي الذي له فيه هزج وهو:

أنا في قلبي من الظبي كلومُ ... فدع اللوم فإن اللوم لومُ

حبذا يومُ السَّعانين وما ... نلتُ فيه من سرور لو يدومُ

- الشعر لعبد الله بن العباس، ولحنه فيه هزج - قالت: فصنع عبد الله بن المعتز في البيت الثاني، وبعده بيت أضافه إليه، هزجاً وهو:

زارني مولاي فيه ساعةً ... ليته والله ما عشتُ يُقيمُ

ولحن ابن المعتز في " حبذا يوم السَّعانين " وهذا البيت خفيف رمل، وهو من نهايات الأغاني التي صنعها.

ومن صنعته التي تظارف فيها وملح:

زاحم كمي كمّه فالتويا ... وافقَ قَلبي قلبه فاستويا

وطالما ذاقا الهوى فاكتويا ... يا قرّةَ العَين ويا همي ويا

أراد هنا بقوله " ويا " ما يقوله الناس في حكاية الشيء الذي يخاطبون به الإنسان من جميل أو قبيح، فيقولون: قلت له يا سيّدي ويا مولاي ويا ويا، وكذلك ضدّه ليستغني بالإشارة بهذا النداء عن الشرح. ولحن ابن المعتز في هذا هزج.

حدثني عمي قال: حدثني أحمد بن المرزبان قال: حدّثني شيبة بن هشام قال: كان عبد الله بن العباس يهوى جارية نصرانية، لم يكن يصل إليها ولا يراها إلا إذا خرجت إلى البيعة، فخرجنا يوماً معه إلى السعانين، فوقف حتى جاءت، فرآها ثم أنشدنا لنفسه وغنّى فيه بعد ذلك:

إن كنت ذا طبٍّ فداويني ... ولا تلمْ فاللومُ يغريني

يا نظرةً أبقت جوى قاتلاً ... من شادنِ يوم السَّعانين

ونظرةً من رَبربٍ عينِ ... خرَجن في أحسن تزيينِ

خرجن يمشين إلى نزهةٍ ... عواتقاً بين البساتينِ

مزنرات بهمايينها ... والعيشُ ما تحت الهمايينِ

لحن عبد الله بن العباس في هذا الشعر هزج

طور بواسطة نورين ميديا © 2015