ليس قصد التبرك من زيارة القبور إلا على دين المشركين الأولين

...

وقد قال الملحد في الصحيفة الثانية بعدها: "وإن سمعت من عامي كلاماً يفهم منه اعتقاد التأثير، فما هو إلا من عجزه عن التعبير الشرعي. لكن قلبه غير زائغ وإن رأيته يقبِّل الأعتاب والأبواب والجدران فليس عن اعتقاد شيء بها، كما يعتقده عبدة الأوثان بل لا قصد له إلا التبرك بها".

فهل غاب عن هذا الملحد: أن هذا التبرك هو ما أراده المشركون الأولون حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر، الآية:3] {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس، الآية:18] بل أين هذا التبرك مما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فيما رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حُدَثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، إنها السنن، قلتم: والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. لتتبعن سنن من كان قبلكم" فهل طلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم إلهاً كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهاً، أم طلبوا أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها، ويستظلون وينوطون بها أسلحتهم كما هي للمشركين؟

ثم انظر إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جمع بين الطلبين، وجعلهما متحدذين في المبنى والمعنى، وأقسم على ذلك بأعز قسم وأعظم وأخلصه، بأنَّ طلبهم هذا كطلب بني إسرائيل من موسى. فهل يشك من يعقل عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم في أن ما يعمله غلاة القبوريين اليوم عندها: أنه هو الشرك الذي هو كفر الله به المشركين، ولعنهم عليه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإن اختلفت عباراتهم، كما يزعمون. فقد اتفقت أعمالهم فالأصل يجمعهم، والوعيد يشملهم والله تعالى يحاسبهم بما اتفقوا عليه من ظاهر أعمالهم وباطنها قولاً وعملاً، وسبباً موصلاً إلى ما أقسم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأسماء لا تغير الحقائق.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015