ومن النص القرآني الواضح الدلالة ومن تفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو فصل الخطاب، ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين، تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار:

أن العبادة هي الاتباع في الشرائع بنص القرآن وتفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابا بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم .. ومع هذا فقد حكم اللّه - سبحانه - عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية في السياق - لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها .. فهذا وحده - دون الاعتقاد والشعائر - يكفي لاعتبار من يفعله مشركا باللّه، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين.

أن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون اللّه، بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه، وبين النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقادا وقدموا إليه الشعائر في العبادة. فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركا باللّه، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين ..

أن الشرك باللّه يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير اللّه من عباده ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته ولا تقديم الشعائر التعبدية له .. كما هو واضح من الفقرة السابقة .. ولكنا إنما نزيدها هنا بيانا! وهذه الحقائق - وإن كان المقصود الأول بها في السياق هو مواجهة الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومذاك من التردد والتهيب للمعركة مع الروم، وجلاء شبهة أنهم مؤمنون باللّه لأنهم أهل كتاب - هي كذلك حقائق مطلقة تفيدنا في تقرير «حقيقة الدين» عامة ..

إن دين الحق الذي لا يقبل اللّه من الناس كلهم دينا غيره هو «الإسلام» .. والإسلام لا يقوم إلا باتباع اللّه وحده في الشريعة - بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده - فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة اللّه صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون باللّه - مهما كانت دعواهم في الإيمان - لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون اللّه، بغير إنكار منهم يثبت

طور بواسطة نورين ميديا © 2015