مُقَدِّمَةٌ:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله إمام المُتَّقِينَ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وبعد.

فقد كان لحديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثر بعيد في الحياة الفكرية الإسلامية، منذ أن حمله الصحابة في صدورهم، وصاغوا منه ومن القرآن أعمالهم وسلوكهم، ثم كان لزامًا عليهم أن يسلموا حصيلتهم من هذا الحديث إلى الأجيال التالية لهم، امتثالاً لما افترضه الله على المسلمين في قرآنه من طاعة رسوله الذِي يُبَيِّنُ للناس مَا نُزِّلَ إليهم، وامتثالاً لما أرشد إليه رسول الله في قوله: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرَ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».

وقد تولى المُحَدِّثُونَ بعد الصحابة هذه المهمة الهامة، وأخذوا على عاتقهم تقديم السنة إلى الناس، وأهدوا إلى الفقهاء الأصل الثاني من أصول التشريع، ولم تكن هذه المهمة يسيرة هينة، بل خاض المُحَدِّثُونَ في أثنائها غمار حرب فكرية ونفسية، ألقى أعداء الإسلام فيها بكل مَا يُشَوِّشُ على الإسلام ويدلس على أهله، فقدموا أفكارًا غريبة خبيثة متنكرة في هيئة أحاديث يختلقونها، وأسانيد يُلَفِّقُونَهَا، ثم حاولوا ترويجها في الأوساط العلمية، حيث خدع بها بعض السطحيين من الرواة. أما علماء الحديث ونقاده فقد وقفوا لها بالمرصاد، وصمدوا أمام سيلها الجارف مبينين زيفها. وأسفر صمودهم عن أدق منهج وأحكمه في نقد الروايات وتمحيصها، والتمييز بين غثها وسمينها، فأبلوا في ذلك أحسن البلاء.

ولقد برز المُحَدِّثُونَ في هذا الجانب، واستحدثوا فيه العلوم وضبطوها

طور بواسطة نورين ميديا © 2015