تَمْهِيدٌ:

بعد أن قضينا فترة من الوقت في رحاب كتب أهل الحديث، أنصتنا فيها إلى وجهات نظرهم، وتتبعنا خلالها آراءهم، وتعرفنا على اتجاهاتهم العامة التي صدرت عنها اختياراتهم - نعود إلى العلاقة بين أهل الحديث وأهل الرأي، فنتعرض لها مرة ثانية، لا من حيث وصف هذه العلاقة، وبيان أسبابها ونتائجها، فقد كان ذلك موضوع الباب الأول. ولكن من حيث الموضوعات التي تمثل مآخذ أهل الحديث على أهل الرأي، والتي من أجلها عابوهم، واتهموهم بإعمال الحديث، أو مخالفته وتقديم الرأي عليه لترى مدى صدق هذا الاتهام، وإلى أي حد كان نصيب هذه الدعوى من الحقيقة والواقع.

ولعل مما ييسر دراسة هذه الموضوعات ما قدمناه من اتجاهات المحدثين وتصورهم للأصول والقواعد العامة التي يصدر عنها التشريع، وموازنتنا فيما سبق - لاتجاهاتهم وتصورهم باتجاهات أهل الرأي وتصورهم في أغلب الأحيان، مما يعين على تحليل المسائل المختلف فيها، ومما يجعل الدراسة في هذا الباب تأخذ طابع التطبيق على ما قدمناه من نظريات، وهو ما أوعز إلينا أن نؤخره إلى هذا الوقت وأغرانا أن نضعه هذا الموضع.

على أن هذا الباب يقدم لنا كذلك جانبًا من الجوانب الفكرية والعقلية لأهل الحديث، ويشارك في تعديل الفكرة الشائعة عنهم. والتي تصورهم بأنهم لا يزيدون عن أن يكونوا نقلة للأخبار، وموصلاً جيدًا للآثار، دون أن يكون لهم جهد فكري، أو مقدرة عقلية على الاستنباط والاستفادة مما يحملونه من علم. وقد أثبت باب سابق خطأ هذه الفكرة، أو على الأقل، فإنه قد أثبت خطأ تعميمها على المحدثين، وبخاصة محدثو القرن الثالث.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015