المهم هو حُسن الفهم عن الله والقراءة الصحيحة لحدث الابتلاء، والنظرة المتكاملة الشاملة له، والبدء باتهام النفس أولاً حتى تحسن استفادتنا من هذا الحدث ويصبح منحة، ووقودًا جديدًا للدعوة تنطلق به إلى الأمام راشدة، ويدفع أبناءها إلى مزيد من البذل واستشعار المسئولية، وإدراك طبيعة المعركة، والخروج من روتين الحياة، وحالة الاسترخاء {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16].

من حكم التمحيص قبل التمكين:

ولنعلم جميعًا بأن الله عز وجل يغار على دعوته، ويحب أولياءه العاملين له، لذلك فهو يسوق لهم الابتلاء بين يدي رحمته، وقبل تمكينهم في الأرض ليذوقوا القهر فلا يقهروا الناس إذا مُكنوا، ويذوقوا تحكُّم الخصم فيهم واستبداده بهم، فإذا ما مُكنوا ذكروا ماضيهم المرير فلا يوقعون بالناس مثله أبدا، وحينئذ تكون المحنة في حقهم اليوم وقاية من الضياع غدًا، وهو ضياع لصفقة الآخرة والأبد.

ولماذا يبتلى الأنبياء؟!

قد يتبادر للذهن تساؤل يقول: ولماذا يبتلى الأنبياء وهم خيرة الخلق وأحباء الله وأصفياؤه؟!

يجيب عن هذا السؤال القاضي عياض في كتابه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيقول:

فإن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدّتها

عليه صلى الله عليه وسلم وعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام؟ وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء، وامتحانهم بما امتُحنوا به، كأيوب ويعقوب ودانيال، ويحيى، وزكريا، وإبراهيم، ويوسف، وغيرهم، صلوات الله عليهم، وهم خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه.

فاعلم - وفقنا الله وإياك- أن أفعال الله تعالى كلها عدل، وكلماته جميعها صدق، لا مبدل لكلماته، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم: {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14].

فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم، ورفعة في درجاتهم، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا، والشكر والتسليم، والتوكل، والتفويض، والدعاء، والتضرع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين، والشفقة على المبتلين، وتذكرة لغيرهم، وموعظة لسواهم ليتأسَّوا في البلاء بهم، فيتسلوا في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصبر، ومحوٌ لَهنَّاتٍ فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم، ليلقوا الله طيبين مُهذّبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأَجْزل (?).

نموذج عملي لكيفية تحليل حدث الابتلاء:

وأخيرًا نسوق إليك أخي القارئ نموذجًا عمليًا لكيفية تحليل حدث الابتلاء ننقله لك باختصار من كتاب زاد المعاد في هدى خير العباد للإمام ابن القيم، وذلك في معرض حديثه عن «الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد».

يقول رحمه الله: وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أمهات «تلك الحكم» وأصولها في سورة (آل عمران) حيث افتتح القصة بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]، إلى تمام ستين آية.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015