اعتقاد المعتزلة في كرامات الأولياء

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

ما زال الكلام موصولاً عن وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة فيما يتعلق بكثير من مسائل الاعتقاد.

من هذه المسائل الاعتقادية كرامات الأولياء، هل هي ثابتة لهم حقاً أم أنها غير ثابتة؟ أنكرها المعتزلة وغالى فيها المتصوفة، أما المعتزلة فقالوا باستحالة ثبوت الكرامة للولي، واحتجوا لذلك بحجج ظنوها عقلية، فقالوا: إذا أثبتنا الكرامة التي هي خوارق العادات للأولياء، فربما اشتبه الولي بالنبي، وربما اشتبه الولي بالساحر، وربما اشتبه الساحر بالنبي؛ ولذلك نحن نمنع هذا الباب ونغلقه إغلاقاً.

الرد على المعتزلة في هذا الزعم: أن الولي لا ينال هذه الكرامة ولا تجرى على يديه إلا باتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك يستحيل أن يدعي ولي لله عز وجل أنه نبي، ولو ادعى أنه نبي لا تجرى على يديه هذه الكرامات، فهذا المأمن من هذا الالتباس والاشتباه، أن الولي لا يمكن أن يزعم في يوم أنه نبي، فهذا فارق بين الولاية والنبوة، إذ إن الولي لا ينال من كرامات الله عز وجل إلا بحسن اتباعه واقتدائه بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإن زعم هذا الولي أنه نبي في يوم من الأيام فهو كاذب؛ ولذلك لا يستحق أن يكون ولياً لله عز وجل، وأما نفي الاشتباه والالتباس بين الولي والنبي من جهة وبين الساحر من جهة أخرى: أن الساحر إنما يستعين بأسياده من الشياطين في قضاء الحاجات ومعرفة الأخبار، وهذا كفر بالله عز وجل؛ ولذلك قد ثبت في السنة أن الخبر يكون في السماء حتى ينزل إلى السماء الدنيا؛ فتصعد الشياطين فتسترق السمع، فيأخذون الخبر فيضيفون عليه مائة كذبة من عندهم فيوحون بها إلى أوليائهم من الإنس وهم السحرة والكهان والعرافون؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (حد الساحر ضربة بالسيف)، واختلف أهل العلم في كفر الساحر من عدمه، ومذهب الجماهير أنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.

إذاً: النبي تأتي الآية على يديه وهي معجزة يتحدى بها الخلائق أجمع خلافاً للساحر وخلافاً للولي كذلك، فلا التباس ولا اشتباه بين كرامة الولي ومعجزة النبي، وما يكون من خوارق العادات على يد السحرة والكهان والعرافين، فهذه الحجج وغيرها ترد على المعتزلة في ردهم لإثبات كرامات الأولياء.

وإذا كنا نتكلم عن كرامات الأولياء فيحسن بنا أن نعرف الكرامة ابتداء، ثم نعرف الأولياء.

فالكرامات: جمع كرامة، وهي خوارق العادات التي يجريها الله عز وجل على أيدي بعض خلقه من الأنبياء والصالحين، وقولنا: خوارق العادات احتراز مما اعتاده الناس وتعارفوا عليه، وليس أمراً غريباً على أعرافهم وعاداتهم، أما الأولياء فالأولياء: جمع ولي، والولي: هو القريب، يقال: فلان أولى فلاناً أو ولي فلان، أو يلي فلاناً، أي: هو قريب منه مجاور له، فالأولياء هم أقرب الناس إلى الله عز وجل، وهم أولى الناس بشرع الله عز وجل، فالولي تجرى على يديه خوارق العادات، والنبي تجرى على يديه خوارق العادات، وهذان فضل ومنة من الله عز وجل، أما الساحر والكاهن فتجرى على يديه خوارق العادات كذلك، ولكن أصلها الشيطان، وأصلها إبليس، وبين المعجزة على يد النبي والكرامة على يد الولي، وخوارق العادات على يد السحرة والكهان من الفروق الشيء الكثير التي سنتعرف عليها بإذن الله تعالى.

هذا الفريق الأول وهم المعتزلة وبيان موقفهم من إثبات كرامة الأولياء.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015