فمنذ أن أخرج الإمام البخاري الجامع الصحيح، عكف أهل العلم على دراسته والاستفادة منه، وتنقل الروايات المبثوثة في بطون الكتب آراء شيوخ البخاري وأقرانه وتلاميذه في كتابه وموقفهم من منهجه فيه، وقد استمر هذا الاهتمام به على مر العصور؛ فأصدر أهل العلم دراسات كثيرة تتعلّق بالإمام البخاري ومنهجه في الجامع الصحيح، فأثروا المكتبة الحديثية، ويسّروا سبل الاستفادة من هذا السفر العظيم؛ فجزاهم الله خير الجزاء، وجعل ذلك في ميزان حسناتهم يوم القيامة.

وتأتي هذه الدراسة الجديدة، مستفيدة من هذا التراث العظيم، فتُلقي ضوءاً على جانب آخر من جوانب المنهجية الحديثية عند الإمام البخاري، وهو جانب يتعلّق بالأحاديث التي صححها البخاري، لكنه لم يودعها جامعه الصحيح.

أهداف الدراسة:

وتتلخص أهداف الدراسة فيما يلي:

(1) خدمة هذه الأحاديث بجمعها وتخريجها ودراستها.

(2) محاولة استنباط منهج للبخاري في تصحيح هذه الأحاديث.

(3) مقارنة منهجه هذا بمنهجه في أحاديث الجامع الصحيح.

(4) بيان مدى دقة البخاري في جعل كتابه مختصراً وجامعاً لأبواب الدين معاً، وهل يمكن الاستدراك عليه.

(5) محاولة استنباط أسباب عدم تخريج البخاري هذه الأحاديث في الجامع الصحيح رغم صحتها عنده.

منهجية الدراسة:

ومن أجل تحقيق ذلك؛ قمت بما يلي:

أولاً: جمع الأحاديث التي نص البخاري على صحتها من مظنّاتها، وترتيبها ترتيباً مناسباً.

ومن أجل الأهداف المذكورة قمت بقراءة كل ما بلغني أنه مطبوع من كتب البخاري ما عدا الجامع الصحيح، وهي: التاريخ الكبير، ومعه كتاب الكنى، والتاريخ الأوسط، والضعفاء الصغير، وخلق أفعال العباد والرد على الجهمية، والقراءة خلف الإمام، ورفع اليدين في الصلاة، والأدب المفرد، إضافة إلى كتاب الجامع للترمذي، والعلل الكبير له؛ لأن الترمذي هو تلميذ البخاري الذي أكثر من الإفادة منه وسجل هذه الفوائد في مؤلفاته.

ونتيجة لذلك تجمعت عندي عشرات الأحاديث التي صححها البخاري، لكن بالتتبع والاستقراء تبيّن لي أن أكثر تلك التصحيحات هي ترجيح إسناد على آخر، ونفي الوَهَم عن راويه؛ فاكتفيت بدراسة ما نص البخاري على صحته صراحة، وقصد بذلك أنه حديث ثابت قد اجتمعت فيه شروط الصحة، وقد بلغت خمسة وعشرين حديثاً.

ثانياً: بعد جمع تلك الأحاديث عملت على تخريجها، واتبعت في ذلك أسلوب التخريج على الطرق بعد أن حددت مدار الإسناد لكل حديث، ثم ذكرت شواهده إن وُجدت، فإن كان الشاهد في الصحيحين أو أحدهما اختصرت في التخريج، وإلا خرّجته من الكتب الستة ثم من الكتب التي اشترطت الصحة، وغالباً أنقل كلام النقاد في حكمهم على هذه الشواهد.

وقد رتبت المصادر الحديثية في التخريج كما يلي: الكتب الستة، ثم مسند أحمد، ثم الكتب التي اشترطت الصحة، وهي: صحيح ابن خزيمة، صحيح ابن حبان، مستدرك الحاكم، وغيرها، ثم ذكرت المصادر حسب تقدم وفاة المؤلف.

ثالثاً: بعد ذلك قمت بدراسة هذه الأحاديث، واشتملت الدراسة على المسائل التالية:

1 - دراسة رواة الإسناد الذي صححه البخاري، فإن كانوا من رجال البخاري اكتفيت بالإشارة إلى ذلك إلا إذا كان من المتكلم فيهم بجرح فأوضحه، وإن كانوا من غير رجال البخاري ذكرت كلام أئمة النقد فيه، وحاولت أن أبرز سبب جرحه إذا كان قد جُرّح، ثم أبيّن سبب تصحيح البخاري لحديثه، وعدم احتجاجه به في الصحيح.

2 - دراسة علل الحديث –إن وجدت- وأقارن بين كلام النقّاد في ذلك، وأهتم ببيان وجهة نظر البخاري في تلك العلّة، وأذكر غالباً من وافقه من النقّاد ومن خالفه.

3 - مراعاة شرط الاتصال على مذهب البخاري بين كل راويين، والتأكد من ثبوت اللقاء بينهما، ولا أذكر هذه المسألة في هذا البحث إلا إذا كان في توافر هذا الشرط نزاع أو شك؛ فإني أفرد له مطلباً، وكذلك فعلت في المسألة الرابعة وهي مراعاة كيفية الرواية.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015