ومع كثرة الناشرين للكتب في هذا العصر، وازدهار سوق الطباعة، وتحول هذا العمل الجليل تدريجيا من قصد خدمة تراث المسلمين، وإخراجه للناس إلى تجارة بحتة، حتى صار بعض النصارى الموارنة في لبنان يشتغلون في كتب المسلمين ويطبعونها، وهكذا الأقباط في مصر، وبعض أتباع الفرق الضالة ينشرون كتب أهل السنة، وكثير من ملاك دور النشر والقائمين عليها هم من أجهل الناس بالكتب وقيمتها؛ وأيضا تصدى لتحقيق الكتب وتخريجها في كثير من الأحيان أناس ليسوا من أهل الصنعة، ولا علم لديهم بأصول الفنون التي يحققون الكتب فيها تارة بأسمائهم، وتارة أخرى بأسماء اللجان العلمية للدار فإن الأخطاء الفاحشة، والتحريفات الكثيرة قد أصابت كثيرا من كتب التراث المطبوعة؛ مما يوجب على المستفيد منها من الخطباء وغيرهم أخذ الحيطة والحذر، والتأكد من صحة النصوص المنقولة فيها ولا سيما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك يكون وفق الخطوات التالية:

1 - على الخطيب أن يحرص على اقتناء الطبعات الجيدة لمكتبته، المحققة تحقيقا علميا ممن يوثق بعلمهم وورعهم، وخاصة فيما يتعلق بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وغيرها، وكذلك الكتب الناقلة عنها من كتب الترغيب والترهيب والآداب والمواعظ والزهد وأدلة الأحكام ونحوها؛ فإنها وإن غلا ثمنها -بسبب حقوق المحققين الذين أمضوا سنوات طويلة في تحقيقها- فإن قيمتها فيها، وهي خير من الطبعات التجارية الرخيصة في قيمتها وفي تحقيقها.

وهذا يريح الخطيب والباحث على مدى الزمن، بطمأنينته إلى أكثر كتبه التي يملكها، ووثوقه فيها، ويوفر عليه وقتا طويلا قد يقضيه بسبب أغلاط في حديث حولت معناه أو أوجدت فيه إشكالات يستنزف وقته وجهده في حلها، ولربما رجع إلى كتب الشروح والغريب واللغة ثم يتبين له بعد جهد جهيد، ووقت طويل أن في متن الحديث خطأ في الطباعة!!

2 - إذا كان الكتاب الذي سيأخذ منه الحديث لم يخدم كما ينبغي، ولا يوجد له طبعة جيدة -وهذا مع الأسف كثير في كتب التراث- أو هو لا يملك طبعة جيدة، فأرى أن يأخذ الحديث من طبعته السقيمة، ولكن يراجع كتبا أخرى مساعدة يغلب على ظنه أن الحديث فيها، مثل كتب الزوائد والشروح، والكتب المصنفة في موضوعات معينة، وهذا الحديث من ضمن موضوعاتها.

وكثيرا مما تتوارد نسخ عدة، وكتب متنوعة على الخطأ؛ لأن الخطأ في المصدر المنقول عنه، وقد يكون الخطأ في أصل المخطوط، ويكون اللفظ محتملا وليس فيه ما يستنكر، وقد يعذر الخطيب في هذه الحالة. لكن زيادة الاستيثاق، وحرص الخطيب على إدراك معنى الحديث يوصله إلى الصواب، ويقلل احتمال وقوع الخطأ بإذن الله تعالى، ولأهمية المثال العملي في توضيح الصورة للخطيب أسوق هذا المثال:

لو كان عند الخطيب حديث في مسند أحمد، والطبعة التي عنده للمسند رديئة، فيراجع طبعة جيدة ولو في مكتبة عامة، فإن لم يتوفر له ذلك، وكان الحديث في أحد الكتب الستة راجعه فيه- ويستعين في بحثه بجامع الأصول وفيه الموطأ وباقي الستة إلا ابن ماجه- فإن لم يكن في أحدها فيراجع مجمع الزوائد للهيثمي، وبإمكانه أن يراجع ترتيب المسند وشرحه للساعاتي المسمى (الفتح الرباني).

فإن كان الحديث في موضوع من موضوعات الترغيب أو الترهيب أمكنه مراجعة كتاب المنذري، وإن كان الحديث قولا للنبي صلى الله عليه وسلم أمكنه مراجعة الجامع الصغير للسيوطي، وزياداته للمناوي، وصحيحه وضعيفه للألباني. وهكذا .... ولن يعدم طريقة من الطرق يجد بواسطتها الحديث في مصادر أخرى.

ويستفيد من مراجعته لهذه الكتب المتنوعة فوائد كثيرة منها:

أ- الاطمئنان إلى لفظ الحديث، وتوثيقه قدر المستطاع.

ب- زيادة خبرته في التعامل مع كتب التراث، ومعرفة مناهج مصنفيها فيها، ومع كثرة المراجعة والممارسة يمتلك دربة في ذلك تمكنه من الوصول إلى المعلومة التي يريدها في أسرع وقت وأقل جهد؛ إذ إن هذه المراجعات تشبه دورات تعليمية سريعة في هذه الكتب العظيمة.

ت- قد يجد أحاديث أخرى تخدمه في موضوعه الذي يكتبه، وربما كانت هذه الأحاديث بالنسبة لموضوعه أهم من الحديث الذي قصده؛ مما يثري موضوعه ويقويه بالنصوص ويوسعه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015