رجل آخر قد يعتبر العلماء حديثه فيتبين لهم أنه لا يستحق أن يكون ثقة بل هو رجل ضعيف، كمثل مثلاً ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين لما كان بصنعاء، الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- دخل على ابن معين في يوم من الأيام فرآه يكتب صحيفة معمر بن راشد عن أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، أبان بن أبي عياش هذا متروك الحديث، فما الذي يشغل ابن معين في كتابة هذه الصحيفة وهو يعلم أنها موضوعة، فقال له يا أبا زكريا تكتب هذه الصحيفة وتعلم أنها موضوعة؟! قال نعم يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء كذاب فيجعل مكان أبان ثابت البناني فأقول له كذبت إنما هذه أحاديث معمر عن أبان عن أنس وليست أحاديث معمر عن ثابت عن أنس فيميز بين هذه الأحاديث، هو يحفظ الخطأ ويحفظ الأحاديث الضعيفة والأحاديث الباطلة والموضوعة حتى يعرف أولاً: أحوال رواتها، ثم إذا ما سئل عن هذه الأحاديث يعرف مخرجها وأنها عن أبان بن أبي عياش وليست عن ثابت البناني فيميز الصواب من الخطأ.

وهكذا كان العلماء يعتبرون الأحاديث ولهذا وجدنا مثلاً بعض العلماء -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- يعبر بهذا المعنى يعبر عن الاعتبار أو يطلق لفظ الاعتبار على هذا المعنى حتى في روايات الكذابين، كيف يكون الكذاب يصلح للاعتبار، يقصد بالاعتبار أي أننا نكتب أحاديث الكذابين لنختبرها لا لنستشهد بها أو نستأنس بها، يقول الإمام أبو يعلى الخليلي -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتاب " الإرشاد " له «وإن جماعة كذابين» كذابين فهو صرح بأنهم كذابين «وإن جماعة كذابين روو عن أنس بن مالك ولم يَرْوِهِ كأبي هدبة إبراهيم بن هدبة وهذا كذاب، ودينار وهذا كذاب، وموسى الطويل، وخراش، وهؤلاء من أشهر الكذابين في الحديث، قال: وهذا وأمثاله لا يدخله الحفاظ في كتبهم لا يدخلونه أصلا في الكتب» لأن الأحاديث التي تدخل في الكتب هي الأحاديث التي يحتجون بها أو يستشهدون بها أما ما لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد فلا ينفع في الكتب، ثم قال: وإنما يكتبونه اعتباراً ليميزوه عن الصحيح، إذن هم يكتبونه الاعتبار هنا بمعنى المعرفة ليتميز الصحيح من غير الصحيح.

النقطة الثالثة: ليس الغرض من الاعتبار فقط مجرد معرفة أن هذا شاهد وهذا متابع والوقوف عند هذه الحرفيات وإنما الغرض من معرفة الشواهد والمتابعات والاعتبار تمييز الأحاديث, تمييز الحديث إن كان محفوظاً أو غير محفوظ، صحيحاً أو غير صحيح, هذا هو الأساس ولهذا الإمام ابن حبان -عليهم رحمة الله تعالى- في كلامه الذي قاله في مقدمة كتابه الصحيح والذي اختصره الإمام ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- لما ذكر هذا المثال فيما يرويه حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «الذي يلزمها أي ابتداءً ألا نبادر إلى إلصاق الوهم بحماد بن سلمة، بل ننظر هل روى هذا الحديث عن حماد بن سلمة أصحابه؟ أم واحد فقط هو الذي تفرد بالحديث عن حماد؟ فإن كان الحديث رواه عن حماد جماعته أصحابه فالخطأ حينئذٍ من حماد، أما إذا كان الذي تفرد عن حماد رجل واحد لا سيما إذا كان ضعيفاً فحينئذ يلصق الوهم بذلك الراوي الضعيف ويبرأ حماد منه».

وهذا كلام شبيه بقصة معروفة وردت عن ابن معين -رحمه الله تبارك وتعالى- ابن معين كان إمام الحديث وإمام في علل الحديث وإمام في الجرح والتعديل وكان -رحمه الله تبارك وتعالى- حريصاً على أن يسمع الحديث الواحد من غير شيخ، من شيوخ كثيرين، ومن غير وجه، هذا هو الاعتبار، ليعرف ما اتفق فيه الرواة وما اختلف فيه الرواية، ما تفرد به بعضهم وما لم يتفرد به بعضهم ليعرف إصابة المصيب وخطأ المخطئ، أراد أن يميز من المخطئ في تلك الأحاديث التي يخطئ فيها حماد بن سلمة لأن حماد بن سلمة كان من شأنه الخطأ أحياناً, فقضية خطأ حماد كانت مسلمة عند ابن معين وكان مفروغا منها ولكن بحثه إنما هو: هل تلك الأحاديث التي وقعت خطأ في أحاديث حماد هل كل هذه الأخطاء المخطيء فيها هو حماد أم بعضها قد يكون الخطأ فيها عن غير حماد؟.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015