[غافر: 1، 2]، وقوله: {حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [فصلت: 1، 2]، وقوله: {الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 1، 2]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67].

/ فقد بين ـ في غير موضع ـ أنه منزل من الله، فمن قال: إنه منزل من بعض المخلوقات ـ كاللوح والهواء ـ فهو مفتر على الله، مكذب لكتاب الله. متبع لغير سبيل المؤمنين. ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل منه وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء} [الرعد: 17]؟ فذكر المطر في غير موضع، وأخبر أنه نزله من السماء، والقرآن أخبر أنه منزل منه، وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] لأن الحديد ينزل من رؤوس الجبال لا ينزل من السماء، وكذلك الحيوان؛ فإن الذكر ينزل الماء في الإناث، فلم يقل فيه من السماء، ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد؛ لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح: أن الله كتب لموسى التوراة بيده وأنزلها مكتوبة، فيكون بنو إسرائيل قد قرؤوا الألواح التي كتبها الله، وأما المسلمون فأخذوه عن محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد أخذه عن جبريل، وجبريل عن اللوح، فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل، وتكون منزلة بني إسرائيل أرفع من منزلة محمد صلى الله عليه وسلم على قول هؤلاء الجهمية، والله ـ سبحانه ـ جعل من فضائل أمة محمد صلى الله عليه وسلم: أنه أنزل عليهم كتابا لا يغسله الماء، وأنه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة، وفرقه عليهم لأجل ذلك. فقال: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} [الإسراء: 106]، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32].

/ ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوبًا، كانت العبارة عبارة جبريل، وكان القرآن كلام جبريل، ترجم به عن الله، كما يترجم عن الأخرس الذي كتب كلامًا ولم يقدر أن يتكلم به، وهذا خلاف دين المسلمين.

وإن احتج محتج بقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 19، 20]، قيل له: فقد قال في الآية الأخرى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة: 40ـ42]، فالرسول في هذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم، والرسول في الأخرى جبريل، فلو أريد به أن الرسول أحدث عبارته لتناقض الخبران. فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث؛ ولهذا قال: {لَقَوْلُ رَسُولٍ} ولم يقل: ملك ولا نبي، ولا ريب أن الرسول بلغه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67]، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموسم ويقول: (ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؛ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي؟)، ولما أنزل الله: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1، 2]، خرج أبو بكر الصديق فقرأها على الناس، فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله.

وإن احتج بقوله: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} [الأنبياء: 2]، قيل له: / هذه الآية حجة عليك، فإنه لما قال: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث؛ لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعامًا حلالا ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا؛ فإن الله كان ينزل القرآن شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولاً هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39]، وقال: {قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95] وقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11] وقال: {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} [الشعراء: 75، 76]، وكذلك قوله: {جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] لم يقل: جعلناه فقط، حتى يظن أنه بمعنى خلقناه، ولكن قال: {جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي: صيرناه عربيًا؛ لأنه قد كان قادرًا على أن ينزله عجميًا، فلما أنزله عربيا كان قد جعله عربيًا دون عجمي. وهذه المسألة من أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع، والله

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015