وقال الإمام ابن تيمية: ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء. (مجموع الفتاوى 28/ 231).

وقال أيضا: هذه الأمة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده، وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ.

(مجموع الفتاوى 9/ 233).

وقال العلامة صالح الفوزان: مازال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة، وينكرون عليهم بدعهم، ويمنعونهم من مزاولتها. منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة، وهو المنهج المقنع المفحم، حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن، والنهي عن البدع والمحدثات. وقد ألفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان، والعقيدة، وألفوا كتبا خاصة في ذلك ولا يزال علماء المسلمين – والحمد لله – ينكرون البدع ويردون على المبتدعة من خلال الصحف والمجلات والإذاعات، وخطب الجمع، والندوات، والمحاضرات، مما له كبير الأثر في توعية المسلمين والقضاء على البدع وقمع المبتدعين. (البدعة للفوزان /19 - 23).

النكتة السابعة

قال المؤلف حفظه الله: الواحد منهم [يعني السلف] قد يقول الكلمة، ومراده المبالغة في إبطال قول أو تكذيب رواية دون قصد الشناعة على نفس الراوي أو القائل المعين، ويدل على ذلك ما وقع لأحمد بن زاهر (أبي الأزهر النيسابوري) رحمه الله فقد روى عنه الأكابر، وحدث ببغداد في حياة يحيى بن معين فكتب عنه أهلها، ومع ذلك فإنه لما بلغ يحيى بن معين حديث في الفضائل، كان أبو الأزهر قد حدث به؛ قال يحيى بن معين: من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أنا!! فتبسم يحيى بن معين، وقال: أما إنك لست بكذاب ... (فقه الرد/10).

أقول: إنما قال ابن معين ذلك قبل أن يعرف أن راوي الحديث هو أبو الأزهر، ففي القصة أن ابن معين قال: أما إنك لست بكذاب، وتعجب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث. قال ابن الشرقي: هو حديث باطل، والسبب فيه أن معمرا كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يمكنه من كتبه، فأدخل عليه هذا الحديث.

وإنما يستقيم استدلال المؤلف بهذه القصة لو أن ابن معين قال لأبي الأزهر: أنا ما قصدت بهذه العبارة تكذيبك. لكنه لم يقل ذلك، وإنما تراجع عن إطلاق الكذب عليه، وذكر أن العهدة فيه على غيره.

ثم قال المؤلف في الحاشية: ويشبه هذا ما قاله الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه في الرد على من يشترط اللقي بين الراوي وشيخه الذي روى عنه دون الاكتفاء بالمعاصرة. وقد فهم بعضهم منه أنه أراد الرد على شيخه البخاري، وشيخ البخاري، وهو ابن المديني، ويمكن أن يحمل ذلك على ما ذكرت أعلاه والله أعلم. (فقه الرد/10).

أقول: لا أوافق المؤلف حفظه الله على ماذكره؛ فمسلم حين كتب ما كتب لم يكن يعلم أن هذا المذهب مذهب البخاري وابن المديني؛ لأنه فرغ من تأليف الكتاب قبل لقائه البخاري. (انظر قرة عين المحتاج للإتيوبي2/ 346)، والأوصاف التي ذكرها لقائل ذلك القول لا يمكن إطلاقها على البخاري ولا ابن المديني فقد قال مسلم:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015