وهذا مما يدل على أنه الكتاب لم يراجع، وإلا لما كرر الكلام نفسه في أول المبحث وآخره.

3 - المأخذ الثالث: أن المؤلف لم يقتصر على الأحاديث الثابتة، بل ذكر أحاديث ضعيفة ومنكرة ولم ينبه على ضعفها واحتج بها. وربما تكون القصة مروية في الصحيحين أو أحدهما، ومروية في كتب السيرة بسياق أطول وتفصيلات أكثر لكن بأسانيد لاتثبت، فيفضل المؤلف ذكر الرواية المطولة بزياداتها غير الثابتة على الرواية المختصرة الثابتة، لأجل الغرض الذي سيأتي ذكره في المأخذ الرابع.

من أمثلة هذا المأخذ أن المؤلف ذكر في ص 36 حديث "زوجك الذي في عينه بياض "، وجزم به، ولم يبين ضعفه، وهو حديث ضعيف رواه زيد بن أسلم مرسلا كما ذكر العراقي في تخريج أحاديث الإحياء.

وذكر المؤلف في ص 135 قصة إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه بطولها وقد استغرقت ثلاث صفحات وهي من رواية الواقدي وقد تفرد بها (انظر البداية والنهاية 6/ 405طبعة التركي)، والواقدي متروك كما هو معروف عند أهل العلم، فالقصة لاتصح، ولم ينبه المؤلف على ذلك، وإنما ذكرها محتجا بها.

وذكر في ص 154 حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قافلا من الطائف: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس " الحديث، ولم ينبه على أنه ضعيف كما ذكر الألباني رحمه الله في الضعيفة ح 2933.

وقال المؤلف في ص 166 في آخر ماذكره عن سرية مؤتة: " فلما أقبلوا إلى المدينة لقيهم الصبيان يتراكضون إليهم ولقيتهم النساء فجعلوا يحثون التراب في وجوه الجيش ويقولون: يافرار فررتم في سبيل الله فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علم أنهم لم يكن أمامهم إلا ذلك وأنهم فعلوا مابوسعهم فقال صلى الله عليه وسلم مدافعا عنهم: ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله عزوجل. نعم انتهى الأمر وهم أبطال ماقصروا لكنهم بشر والأمر كان فوق طاقتهم، إذن الصلاة على الميت الحاضر .. أحيانا انتهى الأمر فلافائدة من اللوم. كان هذا منهجه صلى الله عليه وسلم دائما ".

أقول: هذا الخبر لايصح كمانبه عليه أهل العلم.

قال ابن كثير: " وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة. وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا لجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وهو على المنبر في قوله: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه "، فما كان المسلمون ليسموهم فرارا بعد ذلك، وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما " (البداية والنهاية 6/ 431).

وقال الألباني: " فهذا منكر بل باطل ظاهر البطلان؛ إذ كيف يعقل أن يقابل الجيش المنتصر مع قلة عدده وعُدده على جيش الروم المتفوق عليهم في العدد والعُدد أضعافا مضاعفة، كيف يعقل أن يقابل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثو التراب في وجوههم ورميهم بالفرار من الجهاد، وهم لم يفروا، بل ثبتوا ثبوت الأبطال حتى نصرهم الله وفتح عليهم كمافي حديث البخاري "حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم " (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة /31).

وذكر المؤلف في ص 171 قصة وفد الصدف، واحتج بها، وهي لاتصح فهي من رواية الواقدي، وهو متروك.

وذكر في ص 172قصة كلثوم بن الحصين حين أصاب رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو لايشعر، ولم يذكر من أخرجها، ولم ينبه على ضعفها، وإنما ذكرها محتجا بها، وهي ضعيفة كماذكر الألباني في ضعيف الأدب المفرد ح116.

وقال المؤلف في ص 387: " ثم مضى أبو سفيان حتى وصل المدينة فتوجه إلى بيت ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل أقبل ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطوته من تحته، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشه فعجب منها وقال: يابنية والله لقد أصابك بعدي شر".

أقول: ذكر الألباني رحمه الله في تخريج أحاديث فقه السيرة أن هذا الحديث ضعيف، وأن ابن إسحاق رواه بدون إسناد.

وذكر المؤلف في ص 208 غزوة ذات السلاسل، وقال في آخرها: " فقال صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أباعبيدة بن الجراح ".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015