أما خط المطاف فالأصل جوازه على هذه القاعدة إلا إنه عرض لهذا الأصل ما هو خارج عن حكم البدعة والسنة، وهي مفسدة ازدحام الناس عند بداية الطواف بما يعرقل انسيابه، ويقع به من أذية الرجال للنساء الشيء الكثير؛ فيُعتبر لهذا السبب ممنوعاً، وأما قول بعض أهل العلم بضرورة وضعه حتى مع هذه المفسدة بحجة أن الطائف قد يترك جزءاً من الطواف ففيه تكلف لا يخفى؛ إذْ إن المكلف متعبد بغلبة الظن في المحاذاة عند البداية وعند النهاية؛ فإن أمكن تحقيق الوسيلة دون مفسدة جاز ذلك؛ وإلا وجب تركها.

حفلات تكريم الطلبة:

تقام حفلات تكريم الجامعيين وطلبة حلق تحفيظ القرآن العظيم؛ فهل تُعتبر بدعة لكونها تشبه العيد؟

ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم، والأظهر أن ذلك مرجوح؛ لكون هذه الحفلات معقولة المعنى على التفصيل، والزمن غير معين، ولا يُقصد لذاته؛ كما هي الحال في الأعياد الشرعية وغير الشرعية؛ كاحتفالات المولد والأعياد القومية، وإنما المقصود خاتمة الفترة الدراسية؛ فلو تأخرت أو تقدمت تبعتها في ذلك.

الحداء والنشيد:

النشيد من الأمور العادية، وحتى لو قصد به ترقيق القلوب فإنه إنما يدخل في باب الوسائل التي لا مدخل فيها للبدع، ولا تنطبق عليه قواعدها، وإذا وجد فيه ذكر، أو ترديد دعاء؛ كحداء الصوفية فإنما أدركته البدعة بذلك لا لأجل كونه نشيداً.

أما ابتلي به بعض هذه الأمة من التغني بالقصائد الملحنة بنية التعبد، أو ما يُسمى بالغناء الصوفِي، وهو الذي جُعل مضاهياً للقرآن فِي أحكام التلاوة؛ فإنما حكم عليه بذلك لأجل نية التعبد المحض التي تُحيل العمل العادي إلى عبادي مبتدع، وقد حكم العلماء على مثل هذا النشيد بالبدعة لهذا السبب، وكان فيه مضاهاة المشروع في أشياء منها:

- أن المغنين يتطهرون له.

- أنهم يستنْزلون رحمة الله به؛ كحِلِق الذكر.

- دعواهم حضور الملائكة والأنبياء؛ شأن الذكر والصلوات.

- تفضيله على القرآن قولاً وفعلاً، والأمر بالإنصات عند سماعه.

وانظر تفاصيل هذا الغناء التعبدي فِي "الاعتصام" للشاطبي (2/ 85، 87، 93) و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية: (3/ 211 – 427، 359) و (4/ 77) و (10/ 71 و76 و170 و418 و419) و (11/ 532و298و562 إلى641) و (22/ 522) و (27/ 229).

وأما القصائد الملحنة التي لا يُراد بِها التعبد، ولا يقارنها ما يدل على ذلك فلا ينطبق عليها حد البدعة.

وبيان ذلك أنه قد عُهد من الشريعة إباحة مثلها؛ كحداء المسافرين، وغناء العيد، وأراجيز العاملين.

وقد فرّق ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (11/ 558 و631) بين سماع المتقربين وسماع المتلعبين، وأن هناك فرقاً بين ما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو، ونحو ذلك من العادات، وبين ما يُفعل لقصد العبادة والتقرب إلى الله؛ كالذي يفعله النصارى فِي كنائسهم على وجه العبادة والطاعة؛ لا على وجه اللهو واللعب.

ومثّل لذلك بجواز كشف الرأس، ولبس الإزار والرداء على وجه العادة، ومنعه إذا فعله على وجه الإحرام؛ كما يحرم الحاج.

ومثّل لذلك أيضاً بما رواه البخاري فِي "صحيحه" (6210) عن ابن عباس رضي الله عنه ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً فِي الشمس. فقال: من هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل يريد أن يقوم فِي الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه".

فعلق على قصة أبِي اسرائيل هذه بقوله: ( .. فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح: لم يُنهَ عنه؛ لكن لما فعله على وجه العبادة نُهي عنه .. ).

ونحو ذلك تمثيله رحمه الله بحلق الرأس تعبداً، أو على وجه مباح؛ كما في "الاستقامة" (1/ 256).

وقد قرر فِي المرجع المذكور (1/ 282) فِي رده على من استدل بسماع عبدالله بن جعفر على شرعية التقرب إلى الله بالقصائد الملحنة، بأنه لا يعده ديناً.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015