4. أن معرفة المرء لعلو نسبه قد يؤدي به إلى ترك اكتساب الآداب والفضائل اتكالا على حسبه وما أحسن قول ابن الرومي:

وما الحسب الموروث لا درَّ درُّه بمحتسب إلا بآخر مكتسب

فلا تتكل إلا على ما فعلته ولا تحسبن المجد يورث بالنسب

فليس يسود المرء إلا بنفسه وإن عد آباء كراما ذوي حسب

إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة من المثمرات اعتدَّه الناس في الحطب

وللمجد قوم ساوروه بأنفس كرام ولم يعبوا بأم ولا أب

والعاقل من يكون عصاميا لا من يكون عظاميا كما قال المتنبي:

لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبجِدِّي سموت لا بجدودي

وما أصدق قول الشاعر:

حسبي فخاراً وشيمتي أدبي ولست من هاشم ولا العرب

إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي

وقول الآخر:

كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك موروثه عن النسب

إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي

وقد كان والد أبي الفتح عثمان بن جني النحوي اللغوي المشهور عبدا روميا، وقد عُيِّر بذلك فقال:

فإن أصبح بلا نسب فعلمي في الورى نسبي

على أني أؤول إلى قُرُومٍ سادة نجب

قياصرة إذا نطقوا أرَم َّ الدهر ذو الخطب

أولائك دعا النبي لهم كفى شرفا دعاء نبي

ومما ينسب إلى علي رضي الله عنه:

لكل شيء زينة في الورى وزينة المرء تمام الأدبْ

قد يشرف المرء بآدابه فينا وإن كان وضيع النسبْ

ويؤكد الشافعي هذا المعنى فيقول:

لا يعجبنك أثواب على رجل دع عنك أثوابه وانظر إلى الأدب

فالعود لو لم تفح منه روائحه لم يفرق الناس بين العود والحطب

وليس يسود المرء إلا بنفسه وإن عد آباء كراما ذوي حسب

إذا العود لم يثمر ولو كان شعبة من المثمرات اعتدَّه الناس من الحطب

والنسب مع الجهل لا يجدي شيئا كما قال الشاعر:

العلم ينهض بالخسيس إلى العلا والجهل يقعد بالفتى المنسوب

وما أحسن أن يجمع المرء بين شرف النسب وشرف العلم والأدب ويكون كعبدالله بن معاوية حين قال:

لسنا وإن أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا

ولما قرئت هذه الأبيات على الملك عبدالعزيز رحمه الله قال: فوق ما فعلوا فوق ما فعلوا.

وقال الأصمعي: أنشدنا أبوعمرو بن العلاء لعامر بن الطفيل – قال: وهو من جيد شعره-

إني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب

فما سودتني عامر من وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب

ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمنكب

وما أجمل ما قاله الرصافي في قصيدة نحن والماضي حيث يقول:

وما يجدي افتخارك بالأوالي إذا لم تفتخر فخرا جديدا

فما بلغ المقاصد غير ساعٍ يردد في غدٍ نظرا سديدا

وأسس في بنائك كل مجدٍ طريف واترك المجد التليدا

فشر العاملين ذوو خمول إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم أقام لنفسه حسبا جديدا

إذا الجهل خيم في بلاد رأيت أسودها مسخت قرودا

5. أن علم النسب قد يستخدم للسب وانتقاص الآخرين، ولذا نجد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إياكم وتعلم الأنساب، والطعن فيها. وقد روى ابن عبدالبر بإسناده إلى يحيى بن طلحة قال: جئت سعيد بن المسيب فسلمت عليه فرد عليَّ، فقلت: علمني النسب، فقال: أنت تريد أن تسابَّ الناس، ثم قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا يحي بن طلحة , فضمني إليه وقال: ائت محمدًا ابني فإن عنده ما عندي، إنما هي شعوب وقبائل وبطون وعمائر وأفخاذ وفصائل. فإذا كان المرء يعلم من نفسه نزوعا إلى انتقاص الآخرين فليصلحه وليبتعد عن كل ما يزيد هذا الخلق الدنيء من القراءة في أخبار القبائل وأنسابها. وقد أحسن علماء الإسلام في طي مثالب القبائل ومن وجدوه ألف في المثالب فإن كتابه يطوى ولا يروى لعظيم ضرره.

6. أن علم النسب قد يشغل عما هو أنفع منه، وهذا كثير مشاهد، فكم رأينا ممن يشار إليهم بالبنان من طلبة العلم اتجهوا إلى علم الأنساب وتركوا ما هو أنفع للأمة منه، ولذا نجد الإمام أحمد يصرف طلابه إلى العلم الأكثر نفعا، فقد سأله رجل يقال له عامر فقال: يا أبا عبدالله بلغني أنك رجل من العرب فمن أي العرب أنت؟ قال لي: يا أبا النعمان نحن قوم مساكين، وما تصنع بهذا؟ فكان ربما جاءني أريده على أن يخبرني فيعيد عليَّ مثل ذلك الكلام ولا يخبرني بشيء.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015