رابعاً: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ... » متفق عليه.

فهل أسهم الشركات التي تقترض بفوائد ربوية، أو تودع بفوائد ربوية من المشتبه فيه؟ كلا، فمن الواضح انها من المحرمات، وباعتراف من يفتي بجوازها .. وعلى فرض أنها من المشتبه فيه فقد جاء الجواب ممن لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم حيث قال: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام).

قال الغزالي: «والحرام المحض هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالشدة المطربة في الخمر والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهي عنه قطعاً كالمحصل بالظلم والربا ونظائره».

وأما المشتبه فيه فهو كالذي يجده الإنسان في بيته ولا يدري هل هو له أو لغيره؟ فهذا مشتبه، ولا يحرم عليه تناوله، لأن الظاهرة أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه، والورع اجتنابه .. فقد قال - صلى الله عليه وسلم «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لأكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها».

ويدل للقول بأن ما أصله الحظر لا يحل إلا بيقين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه أو كلب غير كلبه، فقد ورد في الصحيحين وغيرهما، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ( .. قلت: يا رسول الله أرسل كلبي وأسمي فأجد معه على الصيد كلباً آخر لم أسم عليه، ولا أدري أيهما أخذ. قال: لا تأكل، وإنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر. وفي لفظ «فإنك لا تدري أيهما قتل».

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل من الصيد الذي أُشلي عليه كلب سمى عند إشلائه، ولكن وجد معه كلب آخر ولم يعلم هل اشترك في أخذ الصيد مع الكلب المسمى عليه أم لا؟ ولم يعلم أسمي عليه أم لا؟ فلشبهة احتمال مشاركته في الصيد، ولاحتمال عدم التسمية منع من الأكل منه، لأنه شك في الاصطياد المبيح، فوجب إبقاء حكم الأصل. وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. قال ابن قدامة: ولا نعلم لهم مخالفاً.

خامساً: لقد قرر العلماء أن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم».

فالمنهيات تجتنب على الإطلاق، ولهذا لم يتسامح الشرع في الإقدام على شيء منها وخصوصاً الربا، لأنه من الكبائر، أما المأمورات فيأتي المكلف منها بقدر الاستطاعة. وأسهم الشركات التي يدخلها الربا، من المنهيات.

سادساً: شبهة الربا محرمة للعقد ومفسدة له، كما في بيع المزابنة والمحاقلة، وذلك لاحتمال الربا. فقد أجمع الفقهاء على أنه يحرم بيع المحاقلة. ويرى جمهور الفقهاء أن عقد المزابنة والمحاقلة باطل، ويرى الحنفية أنه فاسد.

وقد أجمع الفقهاء على تحريم بيع الثمر على النخل بالتمر في غير العرايا، وأجمعوا أيضاً على تحريم بيع العنب في الكرم بالزبيب.

وإنما رخص الشارع من المزابنة فيما دون خمسة أوسق لحاجة الناس.

فإذا كانت شبهة الربا محرمة للعقد، ومفسدة له، فإن حقيقة الربا الموجودة في أسهم الشركات التي تودع، أو تقترض بفوائد ربوية أشد حرمة وأقوى بطلاناً.

سابعاً: سد الذرائع، وذلك أن الله إذا حرم شيئاً حرم الوسائل المؤدية إليه، والمعينة عليه، حتى ولو كانت في الأصل مشروعة، وذلك حسماً لمادة الفساد ودفعاً له، وعلى ذلك فمتى كان الفعل الخالي من المفسدة وسيلة إلى المفسدة فإن الشرع يمنع منه، حتى ولو كان إفضاؤه إلى المفسدة مظنوناً، إلحاقاً للمظنون بالمقطوع، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن كاتب الربا وشاهديه، ونهى عن بيع وسلف، وحرم بيع العينة، ومنع من قربان الحيل المؤدية إلى الربا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015