بل إنه حتى في زمن كوبيرنيكس نفسه (فقد دافع مناصروه عنه أمام الكنيسة بأن النموذج الذي قدمه كان مجرد تحسين رياضي مفيد لتحديد أماكن الكواكب في المجموعة الشمسية، وليس تمثيلاً حقيقيٌّا لواقع العالم) (8).

لكن الإضافة التي جاءت بها النسبية هي أنها جعلت من قضية مركزية الشمس أو مركزية الأرض مسألة اعتبارية بالضرورة، إذ إن كل شيء في هذا الكون يتحرك بالنسبة لكل شيء فيه، ولا يوجد سكون مطلق أو حركة مطلقة ـ كما أوضح ذلك الرياضي والفيلسوف الإنجليزي الشهير برتراند رسل (9). وخلاصة القول ـ كما يعبر عنه الفيلسوف الإنجليزي/الأمريكي والتر ستيس إنه: (ليس من الأصوب أن تقول إن الشمس تظل ساكنة، وإن الأرض تدور من حولها ـ من أن تقول العكس. غير أن كوبرنكس برهن على أنه من الأبسط رياضيٌّا أن نقول إن الشمس هي المركز، ومن ثم فلو أراد شخص في يومنا الراهن أن يكون (شاذٌّا) ويقول إنه لا يزال يؤمن بأن الشمس تدور حول أرض ساكنة فلن يكون هناك من يستطيع أن يثبت أنه على خطأ) (10).

هل الأرض مركز الكون؟

وما دام الحديث متعلقًا بحركة الأجرام السماوية ـ فيحسن بنا أن نتناول مسألة علمية أخرى تعد مثالاً صارخًا في مجال تحيز الموقف (العلمي) ضد الرؤية الإيمانية، في تفسيره لنتائج التجربة. ولندع أشهر علماء الفلك النظريين في عصرنا الحاضر وأعلاهم صيتًا البرفيسور ستيفن هوكنج يحدثنا عن هذه المسألة!

بعد سرده للمشاهدات التجريبية، التي استنتج العلماء منها أن المجرات في هذا الكون الفسيح تبتعد عنا مسرعة من جميع النواحي يشرح هوكنج في كتابه (موجز في تاريخ الزمن) كيف أن الفيزيائي والرياضي الروسي ألكسندر فريدمان قد وضع فرضيتين بسيطتين حول الكون بغرض شرح النسبية العامة لأينشتين وينصّان على:

1 ـ أن مظهر الكون يبدو واحدًا من أي اتجاه نظرنا إليه.

2 ـ أن هذا الأمر لا يختص بكوكبنا الأرضي بل هو صحيح أيضًا ـ لو كنا في أي موقع آخر في هذا الكون.

ثم يستطرد في شرح كيف أن الأدلة قد تضافرت على تأييد الفرضية الأولى، ومن ثم أصبح من المقبول علميٌّا أن نعتقد صحتها، ثم يقول: (وللوهلة الأولى فإن هذه الأدلة التي تبين أن الكون يبدو متشابها بغض النظر عن الاتجاه الذي ننظر منه، قد توحي بأن هناك شيئًا خاصٌّا حول مكاننا من هذا الكون، والذي نعنيه بالذات أننا إذا كنا نشاهد جميع المجرات الأخرى وهي تتجه مبتعدة عنا من جميع الاتجاهات ـ فلابد إذًا أن نكون في مركز هذا الكون). لكنه يستطرد قائلاً: إن هناك بديلاً آخر لهذا الاستنتاج، وهو أن الأمر سيبدو كذلك أيضًا لو كنا في أي موقع آخر في هذا الكون، مشيرًا بذلك إلى فرضية فريدمان الثانية والتي ذكرناها آنفًا. ولكن إذا كان هناك من الأدلة العلمية التجريبية ما يؤيد فرضية فريدمان الأولى، مما جعلنا نتقبلها، ونتساءل بناء على قبولنا إياها: هل الأرض مركز الكون؟ فهل هناك من دليل علمي على فرضيته الثانية؟ يجيب هوكنج قائلاً: (إننا لا نملك دليلاً علميٌّا يؤيد أو يناقض هذه الفرضية، ولكننا نؤمن بها بدافع التواضع)، ويعني بذلك أننا مضطرين لقبول الفرضية الثانية لأن عدم قبولها يعني أن لنا أهمية خاصة في هذا الكون تجعلنا في مركزه مع امتداده الشاسع من جميع الاتجاهات، ولهذا السبب وحده يتجه العلماء إلى قبول فرضية فريدمان الثانية! ولا يخفى ما في هذا التفكير من تأثر بالمذهب المادي، الذي ينظر إلى الإنسان على أنه وليد الصدفة المحضة لا شيء يميزه عن غيره من الكائنات، بما في ذلك موقعه من هذا الكون العظيم. فانظر كيف يقترح المنهج العلمي استنتاجًا مباشرًا، ثم انظر كيف يحيد (العلماء) عن هذا الاستنتاج ـ استنادًا إلى فرضية لا دليل عليها ـ لمجرد أنه يوحي بخصوصية الإنسان، وما يتبع ذلك بالطبع من وجود خالق لهذا الكون. ومن الجدير بالذكر أنه قلّما يُشار في الكتب العلمية إلى احتمالية كون الأرض مركزًا للكون، فضلاً عن أن يقال إن هذا هو الاستنتاج الطبيعي للمشاهدات الكونية، بل عادة ما تقدم النظرية الأخرى على أنها الاستنتاج العلمي المعتبر؛ لمجرد أن بديلتها توحي بوجود إرادة تدبر هذا الكون، وغاية من وراء وجود الإنسان فيه.

(وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015