أما النوع الآخر من الحقائق العلمية فهو الحقيقة العلمية المستنتجة، وهذا النوع خاضع وقابل للتغير في أي لحظة، إذ هو مجرد استنتاج يفسر نتائج التجربة، ولا ضمان على أنه نهائي لا يوجد استنتاج غيره أكمل وأدق منه، يمكن أن يظهر لنا في يوم من الأيام، كما أن هذا النوع من الحقائق العلمية قابل للانهيار في أي وقت تُظهر فيه التجربة نتيجة واحدة فقط لا يمكن تفسيرها بواسطته. وحيث إن الوقائع غير محصورة، فلا سبيل إلى التحقق من هذا النوع من الحقائق العلمية بشكل نهائي. وعلى ذلك تظل الحقيقة العلمية المستنتجة عرضة للنقض، مهما كثرت شواهدها وقل احتمال خطئها، ومن هنا فينبغي الحذر من استعمال هذا النوع من الحقائق العلمية في معرض التدليل على الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وإن كان من الممكن الاستئناس به في فهمهما ولكن دون مبالغة أو شطط. ومثال الحقيقة العلمية المستنتجة (مفهوم الجاذبية)، والذي يقول بأن الأجسام يجذب بعضها بعضًا، فهذا المفهوم ظل قرابة ثلاثة قرون منذ أن اقترحه العالم الإنجليزي الشهير إسحاق نيوتن، وإلى أوائل القرن العشرين، ظل هذا المفهوم مع ما يصاحبه من قوانين فيزيائية، في محل تقديس من قبل العلم التجريبي والمشتغلين به، وفي منأى عن أي شك أو ريبة، حتى سمي القانون المصاحب له بقانون الجاذبية، إلى أن جاءت النظرية النسبية على يد ألبرت آينشتين لتستغني عن مفهوم الجاذبية، وتصحح القوانين المصاحبة له بقوانين أخرى ومفهوم جديد (هو مفهوم انحناء الزمكان)، في هزة عنيفة للوسط العلمي لم تكن تخطر على بال أحد، فكيف يمكن بعد ذلك اعتبار هذا النوع من (الحقيقة) العلمية قطعيٌّا، وكيف يمكن الاستدلال به في مسألة الإعجاز العلمي! علمًا بأن مصطلح الجاذبية وقانونها لا يزالا يدرسان في مدراس وجامعات العالم على أنهما من حقائق العلم، وذلك نظرًا لسهولة استخدامهما مقارنة مع النظرية النسبية العامة.

ومن الأمثلة الأخرى التي يشاع أنها من الحقائق العلمية الثابتة ـ حتى لا يكاد أحد أن يجرؤ على إنكارها ـ مسألة دوران الأرض حول الشمس والتي بدأ بها عصر النهضة العلمية ـ كما يُسمّى ـ على يد كوبرنيكس في عام 1543م، فهل تمثل هذه المقولة حقيقة تصف الواقع؟ أم أنها مجرد نموذج رياضي يسهِّل العمليات الحسابية التي نتمكن بها من رصد حركة الأجرام السماوية؟

هل تدور الأرض حول الشمس فعلاً؟

يجب أن نقرر أولاً أن مسألة دوران الأرض حول الشمس مما اتفق عليه العلماء الكونيون منذ قرون مضت، غير أن هذا الاتفاق لا يعود إلى حقيقة مشاهدة، أو واقع ملموس، بل يرجع إلى دقة الحسابات الناشئة من افتراض أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس. يقول الفيزيائي المعاصر بول ديفس: (واليوم لا يشك عالم في كون الشمس مركز المجموعة الشمسية، وأن الأرض هي التي تدور وليس السماء) (6)، ولكنه يستدرك قائلاً: إنه لن نتمكن أبدًا من التأكد من صحة هذا التصور مهما بدا دقيقًا (فليس لنا أن نستبعد كليٌّا أن صورة أكثر دقة قد تُكتشف في المستقبل) (7).

والحقيقة أننا لا نحتاج أن ننتظر اكتشاف تصور آخر لحركة النظام الشمسي حتى نتمكن من القول بأن النظام الحالي ـ والذي يفترض مركزية الشمس ودوران الأرض حولها ـ هو مجرد افتراض رياضي لا يصور الحقيقة، بل إن العلم يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول:

إن السؤال عمّا إذا كان هذا التصور حقيقيٌّا أو غير ذلك ليس بذي معنى في لغة العلم. فالحركة ـ والتي هي أساس المسألة التي نتحدث عنها ـ كمية نسبية. فإن قلت إن الأرض تتحرك فلا بد أن تنسبها إلى شيء ما حتى يصبح قولك معقولاً، فلو تصورنا كونًا فارغًا لا حدود له، ولا يوجد به سوى جرم واحد، فلن نستطيع حينئذ أن نقول إن هذا الجرم ساكن أو متحرك، إذ لا بد أن ننسبه إلى مرجع لكي نقول إنه متحرك بسرعة كذا بالنسبة إلى هذا المرجع، أو إنه ساكن بالنسبة له.

ومنذ أن ألغت النسبية الخاصة فكرة الأثير، والذي كان يمثل الوسط الساكن والمطلق الذي تتحرك فيه الأجرام السماوية ـ أصبح قولنا إن الأرض تدور حول الشمس مجرد افتراض وجدنا أنه يفيدنا من الناحية العملية أكثر من الافتراض المعاكس،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015