القراءة، سماني شفعوياً، وإن كان في القنوت، سماني حنفياً، وإن كان في القرآن، سماني حنبلياً، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار ـ إذ ليس في الحكم والحديث محاباة ـ قالوا: طعن في تزكيتهم، ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون علي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من الله شيئاً. وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم.

هذا تمام الحكاية فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع. فقلما تجد عالماً مشهوراً أو فاضلاً مذكوراً، إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو بعضها، لأن الهوى قد يداخل المخالف، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها، والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة، إنه غير صاحبها، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله، حتى ينسب هذه المناسب.

وقد نقل عن السيد العباد بعد الصحابة (أويس) القرني أنه قال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقاً، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون في ذلك أعواناً من الفاسقين، حتى ـ والله لقد رموني بالعظائم، وأيم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه.

فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريباً كما بدأ، لأن المؤالف فيه على وصفه الأول قليل، فصار المخالف هو الكثير، فاندرست رسوم السنة حتى مدت البدع أعناقها، فأشكل مرماها على الجمهور فظهر مصداق الحديث الصحيح.

لا ينبغي ان يجعل طالب العلم الظنيات والنظريات العلمية تحكم نظرته للامور.

بل ان الحق الذي لا ينبغي ان يحيد عنه طالب العلم ان يميز بين

القطعيات العقلية. والظنيات (صريح المعقول)

وان يميز بين. ثابت الأخبارو باقي الأخبار (صحيح المنقول)

قال شيخ الاسلام في درء التعارض:

وما يحتج به بعضهم على أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه كما نعلم امتناع الأمور الظاهر امتناعها مثل كون الجسم متحركا ساكنا فهذا كاحتجاج بعضهم على أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها وهذه حجة ضعيفة لأن البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به والمتصوران قد يكونان خفيين فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت الأذهان وذلك لا يقدح في كونها ضرورية ولا يوجب أن ما لم يظهر امتناعه يكون ممكنا بل قول هؤلاء أضعف لأن الشيء قد يكون ممتنعا لأمور خفية لازمة له فما لم يعلم انتفاء تلك اللوازم أو عدم لزومها لا يمكن الجزم بإمكانه والمحال هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهنى حقيقته عدم العلم بالامتناع وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجى بل يبقى الشىء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجى وهذا هو الإمكان الذهني فإن الله سبحانه وتعالى لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن إمتناعه بخلاف الإمكان الخارجي فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعا، والإنسان يعلم الإمكان الخارجي تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة بعلمه بوجود نظيره وتارة بعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه

وقال في موضع آخر:

وبيان ذلك بتقديم أصل وهو أن يقال إذا قيل تعارض دليلان سواء كانا سمعيين أو عقليين أو أحدهما سمعيا والآخر عقليا فالواجب أن يقال لا يخلو إما أن يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين أو أحدهما عقليا والآخر سمعيا وهذا متفق عليه بين العقلاء لأن الدليل القطعي هو الذي يجب ثبوت مدلوله ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة، وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر للزم الجمع بين النقيضين وهو محال بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي أو أن لا يكون مدلولاهما متناقضين فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين، وأن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعيا دون الآخر فإنه يجب تقديمه بإتفاق العقلاء

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015