و كذلك يوجد في اللغة المُجْمَل و المفصّل والمطلق والمقيد و يستطيع المتكلم بفضل هذه الميزات أن يحرر مراده و يبيّنه بدقة وكل المعارف الإنسانية السابقة بل جُلّها انتقل إلينا عن طريق اللغة، ولا نرى وراء هذا التلبيس سوى إبعاد الناس عن المعارف و جعلهم يشكّون فيما وصلوا إليه ليسهل التحكم بهم و يتيسّر انقيادهم.

ـ التطبيق الثاني لهذه الفرضية هو جعل المتلقي ممانعاً للنصح و التصويب، فيكتفي بعد نقاش طويل معه حول موضوع ما وحشد الأدلة العلمية الواضحة أن يجيبك: الخريطة ليست هي الواقع! أي كلامك غير صحيح لأنّ خريطتك غير خريطتي وكلتاهما ليستا الواقع.

ـ والتطبيق الثالث الخطير فيها هو أنها مدخلٌ للمشككين والمخططين لنسف المفاهيم والمبادئ أياً كانت، و العابثين بالميزان العقلي. فما الضير في قَبول المنحرفين فكرياً وسلوكياً في صفوفنا؟ مادام لهم خريطة وهم معذورون لكونها لا تطابق الواقع، و هل هم منحرفون فعلاً؟ وما الدليل على ذلك؟ هل هو خريطتك التي لا تستطيع أن تثبت أنها الواقع؟ أم ماذا؟

ومن هنا نجد أن هذه النظرية؛ بادعاء أجوف باحترام الآخرين؛ تجعلُنا نشك في معارفنا ونتقبل الغزو الفكري المطبّق علينا ونقبل المنحرفين في صفوفنا بل ونعذرهم .... فأي عاقل يقبل بهذا أو يرضاه؟

وكلمة أخيرة على هذه الفرضية ((الخريطة ليست هي الواقع)) فنحن تلقيناها عبر اللغة التي لها عيوب ـ حسب زعمهم ـ والحواس التي تخدع ــ حسب قولهم ـ فلا قيمة علمية لها إن طبقناها على نفسها وكما يقولون: " مِنْ فِيك أ ُدِينُك "

العيش في الأوهام والهروب من الواقع بالخيال

قالوا: الإرساء هو ربط الحالة الذهنية بإشارة بصرية أو سمعية أو حسيّة بحيث يؤدي إطلاق الإشارة إلى حضور تلك الحالة الذهنية.

ويربطون خلال التدريب هذه الحالة من المشاعر المثارة بربطٍ ما عشوائي أي ليس هناك علاقة منطقية بين الرابط والمشاعر المثارة كأن يمسكوا ركبتهم أو أصبعهم أو ما شابه ونتيجة التدريب يصبح المنبه المرافق كافياً لإثارة المشاعر.

وأقول:إن ما يسمونه الإرساء يمكن أن نرده إلى أصله وهو الفعل المنعكس الشرطي الذي تمثله تجارب " بافلوف " حيث كان يقدم الطعام للكلب مع صوت جرس مرافق ((الطعام منبه أولي والجرس منبه ثانوي)) ويقيس مقدار إفراز الغدد اللعابية عند الكلب وبعد عدة مرات اكتفى بافلوف بصوت الجرس فرأى زيادة في إفراز الغدد اللعابية، مما حدا به إلى القول بأن المنبه الثانوي ((الجرس)) قادر على إثارة الاستجابة التي يقوم بها عادة المنبه الأولي ((الطعام)). فإذا قارنا بين المشاعر المثارة في الإرساء وإفراز اللعاب وكذلك بين الرابط كإمساك الركبة وصوت الجرس علمنا مصدر عملية الإرساء عندهم! ولنا عليه عدة ملاحظات:

1 - إن بافلوف الذي قام بالتجربة كان يخدع الكلب بصوت الجرس الذي جعله في البداية مرافقاً للطعام ثم اكتفى به فيما بعد، على حين من يقوم بالإرساء هو الذي يخدع نفسه ويعلم أن لا رابطَ منطقياً بين المشاعر المثارة والمنبه الثانوي.

2 - إذا كررنا صوت الجرس دون طعام فإن الكلب لا يلبث أن يرى ذلك خدعة فينخفض إفراز اللعاب كلما تكرر الحادث دون طعام حتى يعود إلى سابق عهده بخلاف هؤلاء الذين يخدعون أنفسهم في أي وقت وبدرجات متقاربة.

3 - إن بافلوف لم يَدَّع ِ أنه أشبع الكلب بصوت الجرس بخلاف هؤلاء الذين يزعمون بأن استحضار المشاعر السارة يكون مجديا ً ويجعلك في قمّة السعادة ولكن ما مدى التعاسة والمرارة التي يعانيها المرء حين يعود إلى واقعه؟

وإن أقلّ ما يمكن قوله أن هذا انحدارٌ بالعقل إلى ردود أفعال الحيوانات، وخطورة عملية الإرساء تابعة لاستخدامها، وهي طريقة للهروب من الواقع الذي يصل في بعض الأحيان إلى الاختلال العقلي.

لنتصور الآن رجلاً يُساقُ للمحكمة و ربما حُكمَ عليه بالإعدام ظلماً و زوراً فنراه نتيجة هذا الضغط يقوم بعملية الإرساء ليتذكر حادثة سعيدة فنراه يضحك ولا يكترث لما حوله بدل التركيز على دفاعه وخلاصه من الظلم ... أليس هذا هو الجنون بعينه؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015