قال الشوكاني في نيل الأوطار (6|245) (بعد ذكر حديث أسماء): «وهذا فيه دليل لمن قال إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه، أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية».

فقد حكى القاضي عياض عن جماهير العلماء أن المرأة لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، وقيد ذلك ابن رسلان بعدم كثرة الفساق.

روى ابن جرير في تفسيره (18|119) بإسناد صحيح عن التابعي العابد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182هـ) قال: «{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} من الزينة: الكحل والخضاب والخاتم. هكذا كانوا يقولون، وهذا يراه الناس». تأمل قوله "وهذا يراه الناس"، فهذا يدل على جريان العمل من الناس على ذلك. وعلى هذا جرى العمل منذ أيام الصحابة والتابعين إلى عصر ابن عبد البر إلى عصر القاضي عياض فما بعده.

قال ابن جرير في تفسيره: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: "عنى بذلك: الوجه والكفان". يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن: على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها. إلا ما روي عن النبي أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعاً، كان معلوماً بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة، كما ذلك للرجال. لأن ما لم يكن عورة، فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوماً أنه مما استثناه الله –تعالى ذِكرُه– بقوله: {إلا ما ظهر منها} لأن كل ذلك ظاهر منها».

وقال ابن كثير في تفسيره عن هذا التفسير: «وهذا هو المشهور عند الجمهور». وهو مذهب الأئمة الأربعة.

ـ[محمد الأمين]ــــــــ[15 - 02 - 06, 06:16 م]ـ

تحقيق مذهب الأئمة الأربعة من أقوال الأئمة الأربعة أنفسهم مع شروحات كبار أئمة المذهب المتقدمين:

1– مذهب الحنفية

قال أبو جعفر الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2|392): «أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي r. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى».

وجاء في "المبسوط" للإمام محمد بن الحسن الشيباني (3|56): «وأما المرأة الحرة التي لا نكاح بينه وبينها ولا حرمة ممن يحل له نكاحها، فليس ينبغي له أن ينظر إلى شيء منها مكشوفاً، إلا الوجه والكف. ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها وإلى كفها. ولا ينظر إلى شيء غير ذلك منها. وهذا قول أبي حنيفة. وقال الله تبارك وتعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}. ففسر المفسرون أن ما ظهر منها: الكحل والخاتم. والكحل زينة الوجه، والخاتم زينة الكف. فرخص في هاتين الزينتين. ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها وكفها، إلا أن يكون إنما ينظر إلى ذلك اشتهاء منه لها. فإن كان ذلك، فليس ينبغي له أن ينظر إليها».

2– مذهب الشافعية

قال الإمام الشافعي في كتابه "الأم" (1|89): «وكل المرأة عورة، إلا كفيها ووجهها. وظهر قدميها عورة». وذكر البيهقي في "السنن الكبرى" (7|85) وفي "الآداب": عن الشافعي في تفسير قول الله تبارك وتعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه}، قال: «إِلا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا». وقال البغوي الشافعي في "شرح السنة" (9|23): «فإن كانت أجنبية حرة، فجميع بدنها عورة في حق الرجل. لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها، إلا الوجه واليدين إلى الكوعين. وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضاً عند خوف الفتنة». وليس عليها ستر ذلك.

3– مذهب المالكية

جاء في " الموطأ" رواية يحيى (2|935): «سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله». قال الباجي في" المنتفى شرح الموطأ" (7|252) عقب هذا النص: «يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها». قال ابن القطان في النظر في أحكام النظر (ص143) بعد أن ذكر هذا النص عن مالك: «وهذا نص قوله. وفيه إباحة إبدائها وجهها وكفيها للأجنبي. إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا. وقد أبقاه الباجي على ظاهره». وقد جاء في كتاب "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد عن مالك أنه سئل عما يظهر من وجه المرأة، فأدار عمامته تحت ذقنه وفوق حاجبيه معلناً بذلك جواز ظهور دائرة الوجه.

4– مذهب الحنابلة

اختلفت الروايات عن الإمام أحمد. فقد جاء عنه –في إحدى الروايات– أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، سواء في الصلاة أم خارج الصلاة. وهذا القول مخالفٌ لإجماع العلماء في عدم وجوب تغطية المرأة وجهها وكفيها في الصلاة (وقد سبق رد ابن عبد البر عليه)، فلعله أراد الاستحباب. ولا يقال أنه قد سبقه ابن مسعود t، فليس هذا بصحيح. وقال شيخ الإسلام (ص26): «وابن مسعود t لما قال "الزينة الظاهرة هي الثياب" لم يقل "إنها (أي المرأة) كلها عورة حتى ظفرها". بل هذا قول أحمد، يعني به أنها تستره في الصلاة».

وقد جاء عن الإمام أحمد أن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وهذه هي الرواية المشهورة التي اختارها الخرقي واعتمدها ابن قدامة المقدسي. جاء في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل" للإمام المرداوي (1|452): «الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة».

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015