لم يحدِّد القانونيون الدوليون المقاطعة الشعبية بمدّة زمنية معينة، وإنَّما اكتفوا ببيان أنَّ هذا الإجراء غالباً ما يكون لمدة زمنية مفتوحة، يفترض أن تنتهي بانتهاء الأسباب الباعثة على المقاطعة، كما بيّنوا أنَّ المقاطعة قد تكون صعبة في حال وجود وضع اقتصادي لا يسمح بممارستها.

ومن الناحية التاريخية، نجد أن المقاطعات الاقتصادية تفاوتت مددها، فمنها ما كان قصيرا ليس سوى أشهر، ومنها ما امتدّ لسنوات، كما المقاطعة الهندية الشعبية للبضائع البريطانية التي نظمتها الحركة الوطنية الهندية بقيادة غاندي، إذ استمرت مدة اثني عشر عاماً، من عام 1920 - 1932م، فكان لها أثر كبير ومدى واسع من حيث سعة انتشارها، وقوة فاعليتها في التأثير على بريطانيا.

كما أنَّ المقاطعة قد تتوقف لتوقف سببها أو لأمر آخر، ثم تعود مرة أخرى، ومن ذلك مقاطعة الصينيين لليابان تسع مرات خلال عامي 1908 - 1932م.

3 - وأمَّا ما اتخذته المملكة العربية السعودية من استدعائها لسفيرها

(السحب المؤقت) في كوبنهاجن - وكذلك ما تبعتها فيه عدد من الدول الإسلامية من مواقف مشابهة - فإنَّها إجراءات رسمية قانونية دولية تعبِّر بها عن استيائها من تصرفات الحكومة، إذْ جاءت في مقابل التعنت الرسمي الحكومي الدانماركي بعد استنفاد جميع الوسائل والطرق الودية والقانونية السابقة، فإن رئيس الحكومة الدانماركي راسموسن سلك مسكاً مؤيداً للجناة، ولم يتعامل حتى وفق قواعد المجاملات، إذ رفض استقبال وفدٍ من سفراء الدول الإسلامية لإبلاغه بعِظم الجريمة وخطورة الوضع، وما قد ينجم عنه من آثار على الصعيد الإسلامي، كما أنَّ رئيس الوزراء الدانمركي وملكة الدانمارك لهم ماضٍ غير مشرف في نظرتهم للدين الإسلامي، واستعداء الشعب على الإسلام والمسلمين.

كما لا يُعدّ استدعاء الملكة لسفيرها في الدانمارك إجراءً رسمياً لدعم المقاطعة، لأسباب عديدة، منها:

- تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل المقاطعة، بأنَّ المقاطعة شعبية وليست رسمية.

- أنَّ المقاطعة الشعبية سابقة لمسألة استدعاء السفير؛ إذْ من أوائل القرارات الشعبية التي صدرت من المؤسسات الأهلية قرار شركة العثيم القابضة بتاريخ 26/ 12/1426 الموافق 26/ 1/2006م، بينما جاء قرار الاستدعاء بعد ذلك ببضعة أيام، رداً – كما سبق - على التعنت الحكومي الدانمركي، والمراوغة حتى في تقديم اعتذار يخفِّف حدّة التوتر، مما يؤكِّد كونها مقاطعة أهلية لا رسمية.

- كما تناقلت وكالات الأنباء أنَّ الحكومة الدانمركية نفسها نفت الدعم السعودي الرسمي للمقاطعة، ونقل ذلك عن وزير الخارجية الدانماركي بير ستيج موللر بعد اجتماع طارئ للجنة السياسة الخارجية في البرلمان.

4 - وأخيراً أود أن أخلص إلى بعض القضايا التي قد يفتح الوعي بها آفاقا من إعادة الأمور إلى درجة من التفاهم بين الأمة الإسلامية والأمة الدانمركية وغيرها، والوصول إلى رؤية تبقي على مستوى من التفاهم الإسلامي الغربي فيما يحقق المصالح المشروعة، وهي - في ظني - كما يأتي:

أولاً: يجب أن يعلم الدانمركيون أنَّ الأمة الإسلامية استخدمت عدداً من الآليات الخاصة، التي كانت مجدية لو أنَّ الحزب الحاكم في الدانمارك عمل وفق مسؤوليته الحكومية، ومصلحة شعبه من المسلمين وغير المسلمين، ويكفي أن أُعيد الإشارة إلى المحاولات الإسلامية الدبلوماسية التي قوبلت بالتجاهل حيناً وبالرفض حينا من رئيس الحكومة ذاته، ويكفي منها رفضه حتى مقابلة الممثلين الرسميين لعدد من الدول الإسلامية!! كما أنَّ المدعي العام ضرب بالقانون الدانمركي – نفسه - عرض الحائط، فرفض قبول الدعوى التي قدَّمتها الجالية الإسلامية ضد الصحيفة.

ثانياً: يجب أن يعلم الدانمركيون أنَّ تصريحات الملكة التي وصفت فيها الإسلام بالعدو، كان له أثر كبير في تهييج الأمة الإسلامية وإثارة غضبها، كما كان من الواجب أن تكون الملكة أكثر مسؤولية في تصريحاتها بنظرتها الخاصة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015