لأجل كل ما سبق؛ ولأن الغاية من استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية هو: جلب مصلحة أو درء مفسدة، فينبغي لنا أن نلتفت إلى معنيين، نبني على تحققهما، أو انتفائهما، أو تحقق أحدهما وانتفاء الآخر، حكم المقاطعة الاقتصادية وهذان المعنيان هما (36):

1 – أن تحقق المقاطعة الاقتصادية مصلحة، تتمثل في: الإضرار بالكفار وإيقاع النكاية بهم.

2 – عدم إفضاء المقاطعة الاقتصادية إلى مفسدة أعظم من المفسدة التي نسعى لإزالتها أو تخفيفها، كأن يترتب على المقاطعة الاقتصادية شنّ حربٍ على المسلمين لا قدرة لهم على مواجهتها، أو أن يزيد العسف والظلم على المستضعفين من المسلمين، الذين أردنا أن نرفع الظلم عنهم بهذه المقاطعة.

فيحصل لنا من اعتبار هذين المعنيين أربعة أحوال:

الأول: أن يجتمع المعنيان، بأن يغلب على الظن إفضاء المقاطعة إلى الإضرار بالكفار، وألا يترتب عليها مفسدة أعظم من المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها، فهنا يتوجه القول بالوجوب، والله أعلم.

الثاني: أن ينتفي المعنيان، بألا يترتب على المقاطعة الاقتصادية إضرار بالكفار، وتفضي إلى مفسدة راجحة على المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها، فهنا يتوجه القول بالتحريم، والله أعلم.

الثالث: أن يتحقق المعنى الأول وينتفي الثاني، بأن يغلب على الظن أن المقاطعة الاقتصادية ستفضي إلى الإضرار بالكفار، إلا أنها ستفضي أيضاً إلى وقوع مفسدة راجحة على المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها، فها هنا تتعارض مصلحة ومفسدة المصلحة تتمثل في إلحاق الضرر بالكفار، والمفسدة تتمثل في عدم درء المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها. بل على العكس يترتب على المقاطعة مفسدة أعظم، فإن كانت المفسدة غالبة لم ينظر إلى المصلحة، وإن تساوت المصلحة والمفسدة فدرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.

وقد تقدم معنا أن من العلماء من أنكر وجود مثل هذا في الشريعة.

الرابع: أن ينتفي المعنى الأول ويتحقق الثاني، بألا تفضي المقاطعة الاقتصادية إلى إلحاق ضررٍ بالكفار، ولا تفضي إلى وقوع مفسدة راجحة على المفسدة التي يراد إزالتها بالمقاطعة الاقتصادية، فالذي يظهر أنها تُندب في هذه الحالة؛ لأنها تكون من وسائل التعبير عن الاحتجاج والسخط ضد ممارسات الكفار العدوانية.

هذا ما ظهر في حكم المقاطعة الاقتصادية، والله أعلم.

هذا، وإنه مما ينبغي التأكيد عليه في هذا المقام أن وظيفة الموازنة بين المصالح والمفاسد من وظائف الراسخين في العلم ممن يجمعون بين فقه الدليل وفقه الواقع، ولا مدخل فيها للعوام وأشباههم.

وبعد الانتهاء من بحث هذه المسألة المهمة، فقد ظهرت لي النتائج الآتية:

1 - أن التعامل مع الكفار اقتصادياً مباحٌ من حيث الأصل، وإن كان هناك بعض المسائل المستثناة التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم.

2 - أن المقاطعة الاقتصادية ليست وليدة هذا العصر، بل هي أسلوب معروف من أساليب الضغط والاحتجاج، وقد زخر التاريخ الإنساني بالكثير من صورها.

3 - أثبت الواقع المشاهد بأن المقاطعة الاقتصادية، سلاح فعال، وقد نجح هذا السلاح في أحيان كثيرة، في إجبار الطرف الآخر على التراجع والإصغاء لمطالب المقاطعين.

4 - إذا صدرت المقاطعة الاقتصادية بنية التقرب إلى الله فإنها تعتبر ضرباً من ضروب الجهاد بمفهومه الشرعي العام نظراً لما يترتب عليها من تحقيق لبعض مقاصد الجهاد.

5 - المقاطعة الاقتصادية مباحة من حيث الأصل، لكنها قد تكون واجبة أو مندوبة أو محرمة بالنظر لما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد.

وفي الختام .. فإني أحمدُ الله على ما منَّ به من إتمام هذا البحث، وأسأله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عما فيه من خلل أو قصور.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015