بغض النظر عما يحصل في العالم الخارجي .. هذا كلام مثالي لا يمكن للبشر لأي إنسان أن يطبقه

بحذافيره .. الإنسان يعتريه خوف وحرص وجوع وفتور .. ويحسد ويحتال ويخادع .. مهما كان هذا الإنسان ..

هل نطالب الناس أن يغيروا ما في أذهانهم؟! هذا قريب من المستحيل .. وليس بالسهولة

التي يتوهمها البعض .. مسألة القناعات والمبادئ والاعتقادات مسألة عميقة متجذرة في أعماق النفوس ..

ليس بدورة مدتها شهر أو اثنان ورسوم 4000 ريال سعودي يغير الإنسان ما في ذهنه ..

القناعات والاعتقادات راسخة رسوخ الجبال .. لا يتصدى لتغييرها إلا نبي أو مصلح بمواصفات خاصة ..

لو أخذ بوش أو شارون دورة في البرمجة اللغوية العصبية .. أراهن إن تغير من فكره المنكوس قدر

أنملة .. كثير من شرائح المجتمع هكذا .. بل أكثر من في الأرض هكذا ..

هذه الدورات لا يستفيد في الألف منها إلا واحد ..

وقبل ذلك نحن أصلا لسنا في حاجة إليها ألبتة ..

يتركونا خلاص .. لهم فلسفتهم وحضارتهم ولنا فلسفتنا وحضارتنا .. لهم دينهم ولنا ديننا ..

ثالثا: المشكلة أن الحكاواتية والقُصَّاص من بني جلدتنا الذين تلقفوا هذه الأشياء – ولا أقول العلوم –

ظنوها وحسبوها فتحا عظيما ونصرا مجيدا .. إن مشكلتهم الأساس جعلهم الأصل فرعا والفرع أصلا ..

وبعبارة أفصح ترك مصادر التلقي الأساسية لنا ولثقافتنا ولحضارتنا المجيدة الزاخرة بكل العلوم والفنون ..

فالمفروض أن لا تجعل هذه الكتب منهجا ومرجعا ومتنا يشرح للناس وتوضع عليه الحواشي والتعليقات

والإضافات من آي القرآن وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وآثار السلف وسير علماء وأبطال

الإسلام بل العكس قد يقبل استئناسا فحسب ..

إن تدريس الناس هذه الكتب لنتعلم منها منها مكارم الأخلاق وطرائق النجاح طريقة عوجاء وتخليط في

ترتيب الأوليات .. والمنبغي تربية النشء والشباب والكهول والشيوخ والنساء على الدين وآثار السلف وكتب

التراث الحافلة .. فإن اتفق واقتبس شيء من حكمة الهنود أو تجارب الأفارقة فلا بأس بشرط أن لا يتعارض

مع أصولنا فإن تعارض نفضناه من أيدينا ..

خذ هذين المثالين ولاحظ أهمية ترتيب مصادر التلقي:

قيل لتوماس أديسون - مخترع المصباح الكهربائي - بعد أن أجرى عشرة آلاف تجربة لينجح في الأخيرة منها

في صنع المصباح الكهربائي أما مللت من كثرة التجارب الفاشلة؟! قال: لو لم أخطئ 9999 مرة لما

نجحتُ في المرة العشرة آلاف ..

قال الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في الحث على عدم العجلة في تحصيل العلم: من رام

العلم جملة فاته جملة، ولكن خذه مع الليالي والأيام .. انظر "البداية والنهاية" ..

لو أننا اقتصرنا على "الإحياء" للغزالي أو مختصره أو مختصر مختصره، أو "الترغيب والترهيب"

للمنذري، أو على ذلك السفر الضخم المطبوع في سبع مجلدات فاخرة:"نضرة النعيم في أخلاق

الرسول الكريم" لوجد فيه الناظر ما يجعل نفسه تسمو إلى آفاق روحانية وعالم أشبه

بمدينة الفارابي الفاضلة!! ولنجح الناس بجميع شرائحهم في جميع الميادين ..

لا أعني هذه الكتب بالذات فتعيينها لا يدل على تعينها فالمكتبة العربية طافحة بالآلاف من أشباهها ..

رابعا: من آفات هذه الموجة .. تجلي مظاهر الانهزامية في عالمنا الإسلامي حتى في مجال العلوم

الإنسانية .. كأننا منها خواء .. قام الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله وعفا عنه – بكتابة مستخرج

على "دع القلق وابدأ الحياة! " للشيخ ديل كارنيجي وعنون له بـ"جدد حياتك" تتبع فيه الغزالي النقاط

والأفكار التي وضعها كارنيجي ودلل لها بأدلة من الكتاب والسنة .. أليس هذا انقلاب واضح في التلقي؟!!

يستحيل أن نقول هذه الأمور نستفيد منها فقط في جانب إداري أو تنظيمي أو دعوي ونضمن تماما أن لا

تؤثر في عواطفنا .. لابد ولا مفر أن نكن ولو شيئا يسيرا من من التقدير والإجلال والإشادة بأهلها ..

يكذب بعض العقلاء والمستنيرين حينما يؤكدون أننا نأخذ علومهم الإنسانية ونطبقها لننجح في الحياة أما

الدين والثوابت فلا مساومة عليها .. !!

الكفار حطب النار رضي من رضي وسخط من سخط .. فهل نجعلهم روادا لتهذيب النفوس وأئمة للنجاح

في الحياة الدنيا؟!! .. لا ولا كرامة ..

ليت شعري كيف يكون مصدر استمدادنا للنجاح في الحياة الدنيا من كوفيي وكارنيجي ومصدر استمدادنا

للنجاح في الحياة الأخروية من البخاري ومسلم!! ..

كيف يختمر هذا في هامش الشعور ونحن دائما نسمع ونقرأ أقوال السلف ومنها كلام شيخ الإسلام ابن

تيمية: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة" ..

في القرون الثلاثة الأخيرة عندما انتشرت الطرق الصوفية انتشار النار في الهشيم كان الرجل يُسأل عن

عقيدته ومذهبه (الفقهي) وطريقته ..

كأن الطريقة أمر آخر نسيه السلف يقود إلى الجنة أو يهذب النفوس ..

أخشى أن يجيء يوم يُسأل الرجل عن عقيدته ومذهبه والأسلوب الذي يتبعه لينجح في الحياة الدنيا

(الدنيا) .. !!

خامسا وأخيرا: من باب النصيحة: على المشايخ التنبه والتنبيه على هذا الخطأ المنهجي الجديد ..

وإلا فليس بمستغرب أن نفاجأ في قادم الأيام بردود فعل غير مستحبة .. وإن لم يُنبه إلى هذا الأمر

مبكرا لتم تدريس كتاب "العادات السبع" أو "البرمجة اللغوية العصبية" في الدورات العلمية الصيفية

مع علم المصطلح وعلم الأصول وعلم القراءات وعلم النحو ..

والله تعالى أعلى وأعلم ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015